فالتعبير الجوابي الوارد على سبيل التقابل (( يبدأ في علاج هذا التساؤل والردِّ عليه بتلقين الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ما يواجههم به، ويُقرُّ به الحقيقة في نصابها، وفي الوقت نفسه يصحح التصور العام للأمور ) ) [1] .
ومن هذا الوادي، قوله عظم شأنه حكاية عمن استبعدوا البعث وأنكروه [2] : {وَقَالُوا أَءِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} [3] ، فقد وقع التقابل بين سؤالهم الاستبعادي {أَءِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا} ؟ وقول المجيب المُلَقَّن {كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} ، وهو تقابل تضاد باللفظ، فالرفات هو: (( ما تكسَّر وتفرَّق من التِّبن ونحوه ... واستعير الرفات للحبل المنقطع قطعة قطعة ) ) [4] . ويُرادُ به (( ما تكسَّر وبليَ من كلِّ شيء، ويكثر بناء(فُعَال) في كُلِّ ما يَحطُم ويرضُض )) [5] .
وبذلك دلَّ اللفظ على الضعف والتفتت.
أما الحجارة والحديد في التعبير المقابل فهما (( أشدُّ امتناعًا من العظام والرفات ) ) [6] ، فدلا بذلك على القوة والتصلب والعِظَم؛ إذ السياق قد (( رد قوله {كونُوا} على قولهم {كُنَّا} ، كأنه قيل: كونوا حجارة أو حديدا، ولا تكونوا عظامًا فإنه يقدر على إحيائكم ) ) [7] . ثم كونوا (( خلقًا آخر أوغَلَ في البعد عن الحياة من الحجارة والحديد مما يكبر في صدوركم أن تتصوروه، وقد نفخت فيه الحياة فسيبعثكم الله ) ) [8] .
وليس الأمر - هنا - حقيقيًا [9] ، وإنما أريد به التوبيخ والتقريع والتحدي لهم، أوالإيماء إلى ما في صدورهم من الجمود والتحجر [10] .
ويلحظ في هذا السياق أن قول المجيب المقابل ابتدأ بالحجارة، ثم الحديد، ثم ما كان أكبر من ذلك؛ إذ راعى التدرج في الانتقال. وجاء هذا التدرج مقابلا أيضًًا للتعبير الأول، وهو
(1) في ظلال القرآن 1/ 130.
(2) مجمع البيان 6/ 420، وتفسير شبر /283.
(3) سورة الإسراء /49 - 51.
(4) المفردات في غريب القرآن /199 (رفت) .
(5) مجمع البيان 6/ 419.
(6) تفسير القرآن العظيم 3/ 44.
(7) الكشاف 2/ 452.
(8) في ظلال القرآن 4/ 2233.
(9) بلاغة القرآن في آثار القاضي عبد الجبار وأثره في الدراسات البلاغية عبد الفتاح لاشين /140.
(10) في ظلال القرآن 4/ 2233.