الصفحة 165 من 342

ومن الجوابات التقابلية التي وقعت جوابًا لسؤال، قوله عزَّ وعلا في مواجهة المشركين: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [1] ، فالسؤال الموجه لهم سؤال توبيخ [2] وتبكيت وتأنيب وتعجيب وتشهير [3] ، وقد ورد بإثبات الشرك فيهم، إذ (( أضاف الشركاء إليهم؛ لأنهم اتخذوها لأنفسهم ) ) [4] . ولكي (( يعلموا أن الله يعرف أنهم أشركوا في دار الدنيا، وأنه لا ينفعهم الكتمان ) ) [5] .

وقد سُبِق جوابهم بتعبير دال على كذب ما سيقولون في جوابهم، فالفتن يعني (( إدخال الذهب النار، لتظهر جودته من رداءتهِ ) ) [6] ، فكأنه اختبار للجوهر، ومعنى ذلك أنه (( لم يكن جوابهم حين سئلوا واختبر ما عندهم بالسؤال فلم يكن الجواب عن هذا السؤال إلا هذا القول ) ) [7] الذي يلمح فيه الكذب وعليه سميَّ فتنة [8] فهُم قد أجابوا بتعبير نفوا فيه شركهم، وصدَّرُوا نفي الشرك بالقسم بالله تعالى، فاعترفوا لله تعالى بالربوبية [9] بعد فوات وقت الاعتراف، وتبرأوا من الشرك (( وانتفوا منه، فحلفوا: ما كانوا مشركين ) ) [10] .

ومن المعلوم أن الجملة القسمية لا تساق إلا لأجل التوكيد وإزالة الشك في الأمر المقسم عليه؛ لأن (( الحلف توكيد ) ) [11] ، ولا يراد بالتوكيد إلا (( تمكين المعنى في نفس المخاطب ) ) [12] وهم قد حلفوا على الكذب. فالتقابل في هذا السياق القرآني تقابل تناقض وسلب؛ إذ ورد الطرف الأول من السياق مثبِّتًا للشرك، وورد الطرف الآخر نافيًا له، فوقع التقابل بين الطرفين من جهة الوجود والعدم، والإثبات والنفي، وهو تقابل باللفظ.

(1) سورة الأنعام /22 - 23.

(2) الكشاف 2/ 10، ومن إعجاز البيان في القرآن الكريم /104.

(3) مجمع البيان 4/ 283. وفي ظلال القرآن 2/ 1060.

(4) مجمع البيان 4/ 283.

(5) مجمع البيان 4/ 283.

(6) المفردات في غريب القرآن /559 (فتن) ، وروح المعاني 7/ 122.

(7) مجمع البيان 4/ 284.

(8) الكشاف 2/ 11.

(9) في ظلال القرآن 2/ 1060.

(10) مجمع البيان 4/ 284. ينظر روح المعاني 7/ 123.

(11) الكتاب 3/ 497.

(12) شرح المفصل 3/ 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت