ويلحظ أنهم قد نفوا شركهم بالأداة (ما) دون (لا) ؛ لأن (ما) (( جواب عن الدعوى ) ) [1] ، وكذلك هي (( رد على قول أو ظن أو ما كان مُنزَّلا هذه المنزلة ) ) [2] . أما (لا) ، فهي (( جواب لسؤال حاصل أو مقدّر ) ) [3] ؟.
وأما قوله جلَّ وعلا: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَاءي قَالُوا ءَاذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ} [4] . فقد وقع التقابل بين الإثبات والنفي من جهة المعاني، لا الألفاظ، فقد نفوا الشركة في جوابهم، وأثبتها الله تعالى لهم في سؤاله إياهم. فالمعنى في قوله: {آذَنَّاكَ} ، أي (( أسمعناك وأعلمناك ) ) [5] ما من أحد منّا يشهد بأن لك شريكًا. فقد تبرأوا من الشرك ونفوه عنهم [6] .
ومما ورد من الجوابات على جهة التقابل بالمعنى، قوله تعالى حكاية عن المنكرين للرسالة المحمدية: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} [7] . فهؤلاء أنكروا القرآن الكريم المُنزَّل على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ووصفوه بأنه مفترى. والافتراء، يعني الإفساد [8] ، والأختلاق [9] . وقد ورد في التعبير القرآني في مواضع الكذب والشرك والظلم [10] ، فالافتراء من الباطل الذي هو نقيض الحق، فأضرب التعبير القرآني عمّا قالوه بـ (بَلْ) التي قد (( تستعمل جوابًا لكلامٍ قبلَها فتنفيهِ ) ) [11] ، أي أضرب عن قولِهم إلى (( إثبات أنه الحقّ من ربك ) ) [12] يا مُحَمَّدُ.
والحق: (( كل شيء من اعتقده، كان معتقده على ما هو به، مما يدعو العقل إلى استحقاق المدح عليه وتعظيمه. فالكتاب حقٌّ؛ لأن من اعتقد أنه من عند الله كان معتقده على ما هو به، والباطل نقيض الحق ) ) [13] . وعلى هذا جاء التعبير الجوابي نافيًا ما قالوه، ومضربًا عنه، ومقابلا لقولتهم تلك، تقابل نقضٍ وضدٍ بالمعنى.
(1) الفروق في اللغة /257.
(2) معاني النحو 1/ 397.
(3) نفسه 1/ 396.
(4) سورة فصلت /47.
(5) الجامع لأحكام القرآن 15/ 371. وينظر معترك الأقران 2/ 424. وفي ظلال القرآن 5/ 3129.
(6) مجمع البيان 9/ 18، والجامع لأحكام القرآن 15/ 372.
(7) سورة السجدة /3.
(8) المفردات في غريب القرآن /570 (فرى) .
(9) تفسير القرآن العظيم 3/ 456، ولسان العرب 2/ 1092 (فرا) .
(10) المفردات في غريب القرآن /570 (فرى) .
(11) من أسرار اللغة /181.
(12) الكشاف 3/ 240.
(13) مجمع البيان 8/ 325.