ونحو هذا قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} [1] ، فورد الجواب مصدرًا بـ (بَلْ) التي أبطلت معنى الجملة السابقة لها، وأثبتت [2] نقيضه، فوقع الجواب مقابلًا بالضد للتعبير السابق له؛ لأن الجِنَّة تعني الجنون، وهو (( حائل بين النفس والعقل، وجُنَّ فلانٌ: قيل أصابه الجنُّ، وبُنِيَ فِعلُهُ على فُعِلَ كبناء الأدواء ... وقيل: حِيلَ بين نفسه وعقله فَجُنَّ عقلُهُ بذلك ) ) [3] .
والرسول - صلى الله عليه وسلم - جاء (( بالقرآن والدين الحق وليس به جنة ) ) [4] ، بل كان من العقل بمكان لا يدانيه فيه أحد.
ونحوه قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} [5] . فقد ردَّ ما افترَوهُ ودحضه (( وكذَّبهم بأن قال {بَلْ جاءَ بالحَقِّ} ، أي ليس بشاعر ولا مجنون، ولكنه أتى بما تقبله العقول من الدين الحق والكتاب ) ) [6] وما جاء به من التوحيد [7] . فهو جواب يقابل ما افتروه عليه من الجنون تقابل ضد ونقيض، أي قُوبل السؤال ذو التهمتين بجواب ذي حقيقتين.
إن هذه الجوابات وردت مقابلة لسياقات طلب بأسلوب الاستفهام، ومنه ما وقع مقابلا لسياقات طلب على سبيل النهي، ومنه قوله عظم شأنه: ذامًّا المنافقين المتخلفين عن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك فرحين بقعودهم بعد خروجه [8] ، إذ قالوا: {لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ} [9] ، وما كان ذلك القول منهم إلاّ (( طلبًا للراحة والدّعة، وعدولًا عن تحمل المشاق في طاعة اللهِ ومرضاته ) ) [10] . وقد جاءهم الجواب [11] من الله سبحانه، مُصدَّرًا بالتلقين: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حرًّا} [12] . وهو ردٌّ عليهم على سبيل التجهيل لهم [13] ، والسخرية [14] منهم، (( ولكنها كذلك
(1) سورة المؤمنون /70.
(2) المقتضب 1/ 12، والكافية في النحو لابن الحاجب 2/ 379، ومعاني النحو 3/ 251.
(3) المفردات في غريب القرآن /139 (جنّ) .
(4) مجمع البيان 7/ 112. وينظر الجامع لأحكام القرآن 12/ 140.
(5) سورة الصافات /36 - 37.
(6) مجمع البيان 8/ 442.
(7) الأشباه والنظائر لمقاتل بن سليمان /176.
(8) تفسير القرآن العظيم 2/ 376.
(9) سورة التوبة /81.
(10) مجمع البيان 5/ 56.
(11) التفسير الكبير 16/ 149.
(12) سورة التوبة /81.
(13) الكشاف 2/ 205، وروح المعاني 10/ 151.
(14) في ظلال القرآن 3/ 1682.