الصفحة 168 من 342

حقيقة فأما كفاح في سبيل الله فترة محدودة في حرِّ الأرض، وإما انطراح في جهنم لا يعلم مداه إلا الله )) [1] .

ويلحظ في هذا التعبير أن الحرارة الأولى غير مخصصة، غير أن قرينة الحال والسياق دلت على أنها حرارة الشمس الدنيوية. أما الحرارة في الجواب، فقد خُصِّصَت بحرارة نار جهنم، التي ستكونُ مصيرهم في الآخرة بما فعلوا. وهي أشد وطأة من الحر الذي يجعلونه سببًا ومانعًا من النفير. فوقع التقابل بين قوله {الحَرِّ} ، وقوله {أشَدُّ حرًّا} ، وهو تقابل بالخلاف؛ إذ دلت الثانية على الشدة والمشقة الأبدية والخلود. أما الأولى فدلت على الشدة الدنيوية القليلة والمنقضية، وهم قد (( آثروا راحة زمن قليل على عذاب الأبد ) ) [2] . وبذلك ورد الجواب من جنس ما خافوه فاقترحوه وهو الحر، ولكنه أشدُّ وأبلغ.

وقد ذُيل الجواب التقابلي، بتعبير جاء مؤكِّدًا لمضمون [3] التعبير الجوابي؛ إذ قال سبحانه: {لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} [4] . فسلب منهم بهذه الأداة (لو) ، صفة (الفقه) المعبرة عن الفهم والإدراك العاليين.

ومن هذا الوادي، قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الآَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَاكِن لا يَشْعُرُونَ} [5] . فالله سبحانه قد نهاهم عن الإفساد في الأرض، والكف عن ذلك. فأجابوا بما يحقق الصلاح فيهم؛ إذ ورد جوابُهم مصدّرًا بالأداة (إنما) التي (( تستعمل في الحكم الذي من شأنه أن لا يُنكر ولا يُجْهَل ) ) [6] ؛ إذ هي (( تفيد إثبات الشيء الذي يُذكرُ بعدها ونفي ما عداه ) ) [7] . فقصروا حكم الصلاح عليهم، وكأنهم (( حين أدَّعوا لأنفسهم أنهم مصلحون، أظهروا أنهم يدَّعون من ذلك أمرًا ظاهرًا معلومًا ) ) [8] .

ويلحظ أنهم عبَّروا في جوابهم بالجملة الاسمية، على حين وقع طلب الكف بالجملة الفعلية. وبينهما فارق دلالي؛ إذ تدل الاسمية على الثبوت بخلاف الفعلية التي تدل على التجدد [9] . فكأن التعبير ورد بما تكرر منهم من الإفساد المتجدد في الأرض، وأنهم في جوابهم أكَّدُوا صلاحهم وثبوته بـ (إنَّما) ، وبالجملة الاسمية، وتنكير {مُصْلِحُوْنَ} ، الذي قد يُرادُ به

(1) في ظلال القرآن 3/ 1682.

(2) روح المعاني 10/ 151.

(3) روح المعاني 10/ 151.

(4) سورة التوبة /81.

(5) سورة البقرة /11 - 12.

(6) مواهب الفتاح لابن يعقوب المغربي 2/ 221. وشرح السعد 2/ 221. (شروح التلخيص) .

(7) مجمع البيان 1/ 257.

(8) دلائل الإعجاز /333.وينظر البرهان في علوم القرآن 4/ 231، ومعاني النحو 1/ 358.

(9) التبيان لابن الزملكاني /49، والفعل زمانه وأبنيته إبراهيم السامرائي /43، والتعبير القرآني /24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت