الصفحة 169 من 342

التعظيم، أو التكثير. أي أنَّهم (( نسبُوا الإصلاحَ إلى أنفُسِهم، وادَّعَوا أنّهم كذلكَ ظاهرٌ جليّ ) ) [1]

وبعبارة أخرى: إنهم أعظم من أن يعينوا ويعرفوا، فورد جوابهم مقابلا [2] لما نهوا عنه من الإفساد. أي إنهم براء من الإفساد وإنهم متصفون بضده [3] .

ولذلك جاء الرد عليهم فاضحًا (( باطنهم الخبيث، وما انطوى عليه من سوء، فدمغهم بهذا الحكم القاطع ) ) [4] الجابه لهم بكمال القوة [5] : {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَاكِن لا يَشْعُرُونَ} [6] ، مصدَّرًا بالأداة (ألاَ) الاستفتاحية التنبيهية التي أفادت بدخولها على الجملة الاسمية التوكيد والتحقيق [7] ، وبالأداة (إنّ) المؤكدة.

وقد أفاد تعريف الطرفين، أي المبتدأ والخبر في قوله {هُمُ المُفسِدُونَ} قصر المسند على المسند إليه [8] . وأفاد تعريفُ الخبر وتوسيط ضمير الفصل مبالغةً في الرد ودليلا على سخط عظيم منه سبحانه [9] . وجاء ضمير الفصل مؤكِّدًا معنى القصر [10] ؛ لأنه (( يرد على جهة المبالغة في تعظيم تلك القصة وتفخيم شأنها وتحصيل البلاغة فيه من جهة إضمارهِ أولًا وتفسيره ثانيًا؛ لأن الشيء إذا كان مبهمًا، فالنفوس متطلعة إلى فهمه ولها تشوُّقٌ إليه ) ) [11] .

وفضلًا عن ذلك، فإن التعبير سلك (( مسلك الاستئناف المؤدي إلى زيادة تمكن الحكم في ذهن السامع، مع تأكيد الحكم وتحقيقه ) ) [12] . فهذا التعبير ورد بجملة من المؤكدات؛ لأنه في (( مقام يريد أن يقتلع من الأذهان دعواهم العريضة في الإصلاح ) ) [13] .

ويلحظ أن هذا التعبير مؤلف من أطراف ثلاثة: الأول: السائل وهو الله تعالى بقوله النَّاهي: {لا تُفْسِدوا في الأرْضِ} ، والثاني: المجيب وهم االمنافقون بقولهم: {إنَّما نَحْنُ مُصلِحُون} ، والثالث: هو الهادم لدعواهم وهو الله تعالى بقوله: {ألاَ إنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدون} .

(1) البرهان في علوم القرآن 4/ 231.

(2) التفسير الكبير 2/ 66، والبحر المحيط 1/ 65، وأساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين /479.

(3) مواهب الرحمن 1/ 102.

(4) التفسير القرآني للقرآن 1/ 33.

(5) مواهب الرحمن 1/ 101.

(6) سورة البقرة /12.

(7) من بلاغة القرآن /151، ودراسات في الأدوات النحوية /83.

(8) من بلاغة القرآن /30.

(9) الكشاف 1/ 180 - 181، وشرح السعد (شروح التلخيص) 2/ 221 - 222.

(10) معاني النحو 1/ 59.

(11) الطراز 2/ 142. ينظر البرهان لابن الزملكاني /214، والبلاغة والأسلوبية /251.

(12) روح المعاني 1/ 153. ومثله في مفتاح العلوم /476.

(13) من بلاغة القرآن /30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت