طريق العدل، إلا أنه استعير للثاني لفظ الاعتداء؛ لتأكيد الدلالة على المساواة في المقدار. فجاء على مزاوجة الكلام لحسن البيان ... والمناسبة تدور في فنون المعاني التي ترجع إلى أصل واحد فمن ذلك قوله تعالى: {ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [1] فجونس بالانصراف عن الذكر صرف القلب عن الخير، والأصل فيه واحد وهو الذهاب عن الشيء، أما هم فذهبوا عن الذكر وأما قلوبهم فذهب عنها الخير.
ويبدو أن مصطلح (التماثل) هو الأنسب لهذا اللون من الجوابات في مفهومه الدلالي لا البلاغي، دون مصطلحات الازدواج، أو التجانس، أو المناسبة ولملاءمته هذا اللون من التعبيرات الجوابية؛ إذ إن تلكَ المصطلحات تقتصرُ في الأغلب على ما يقع بين الألفاظ المفردة دون المركبة، فضلا عن اختلاف العلماء في تحديد مصطلح موحَّدٍ لها، إذ قد اختلفت المصطلحات التي قيلت في مفهومه، ومن ثَمَّ اختلفت الحدود لدى البلاغيين خاصة، حين وقفوا على معناه.
وبذلك يمكن تقسيم هذا اللون من الجوابات وفق المصطلح المختار على قسمين هما: التماثل الإفرادي ويكون بالألفاظ المفردة، والتماثل التركيبي ويكون بالألفاظ المركبة، وفي كلا القسمين يماثل الجواب سياق التعبير السابق له، مع اختلاف في أنواع الضمائر أحيانًا، من جهة التكلم أو الخطاب أو الغيبة، ومن جهة المعنى أحيانًا أخرى، إذ تتوافق الألفاظ من حيث ترتيب الأصوات في تركيبها، وتختلف معانيها وفق التعبير الذي ترد فيه. فهي متناظرة في اللفظ مختلفة في المعنى.
(1) التماثل الإفرادي:
ويراد به أن يماثل الجواب التعبير السابق له بلفظة مفردة ملائمة له، وذلك بأن تتكرر الوحدات الجزئية، وهي الأصوات المكوِّنة للفظتين. وهذا التكرار في الجرس له تاثير في المعنى ورسوخه في الذهن. فضلا عمَّا في هذا التكرار الصوتي من تأثير في النفوس، وتأكيدٍ للدلالاتِ المتوخاة وتحقيقها.
ومن الجوابات التي وردت متماثلة تماثلا لفظيًا، إفراديًا، مع تعبير سابق لها، ما ورد في قوله تعالى حكاية عن النبي إبراهيم، عليه السلام: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [2] . فقد أمره سبحانه على جهة التمثيل لا الحقيقة [3] ، بالانقياد والخضوع والاستقامة
(1) سورة التوبة /127.
(2) سورة البقرة /131.
(3) روح المعاني 1/ 388.