الصفحة 180 من 342

والثبات على التوحيد [1] . لقوله له: {أسْلِمْ} ، بتوحيد الخطاب الأمري له عليه السلام، وبِحذف المفعول، (( ليتناول كل ما يصح إسلامه إلى المسلَّم إليه وقصره إليه وتخلي المسلم عنه ) ) [2] . وإنما حمل الخطاب هنا على التمثيل لا الحقيقة؛ لأنه عليه السلام بحكم نبوّتِهِ مسلم منقاد. وقد ورد الجواب سريعًا من غير بطء ولا ريث، ومن جنس اللفظ المأمور به، بأن قال: {أَسْلَمْتُ} مصدِّرًا الجواب بالقول، مماثلا في ذلك تعبير الجواب لتعبير الأمر وهما: {أسْلِمْ} ، {أسْلَمْتُ} . فوقع التجانس بين اللفظتين ذواتي الأصل المشترك.

غير أن الضمير في {أسْلِمْ} للمخاطب المأمور، وفي {أسْلَمْتُ} للمتكلم المنقاد المخلص في دينه.

وقد ذكر الآلوسي [3] أن الأمر الإلهي والجواب الصادر من نبيه إبراهيم عليه السلام ليسا على (( حقيقتهما، بل هو تمثيل. والمعنى: أخَطَرَ بباله الدلائل المؤدية إلى المعرفة، واستدل بها وأذعن بمدلولاتها. إلا أنه سبحانه وتعالى عبَّر عن ذلك بالقولين تصويرًا لسرعة الانتقال بسرعة الإجابة ) ).

ويُلحظُ أن التعبير الجوابي قد زاد على اللفظ المماثل للسؤال، عبارة: {لِرَبِّ العالمين} ، التي آذنت (( بكمال قوة إسلامه عليه السلام حيث أتقن حين النظر شمول ربوبيته تعالى للعالمين، لا لنفسه فقط، كما هو مأمور به ظاهرًا ) ) [4] ؛ ذلك أن (اللام) تعلقت في قوله {لِرَبِّ العَالَمِينَ} ، بقوله: {أسْلَمْتُ} [5] .

ومن هذا اللون من الجوابات، ما ورد إخبارًا عن (( أخذ ميثاق كل نبي بعثه، من لدن آدم عليه السلام إلى عيسى عليه السلام ) ) [6] ، فقال عظم شأنه: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيِثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا ءَاتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَالِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا} [7] . فقد جاء الطلب هنا منه سبحانه، بقوله: {ءَأَقْرَرْتُمْ} ، وهو من الإقرار الذي هو ضده الجحود [8] .

وقد قيل إن في هذا التعبير حذفًا قدَّره بعضهم بقوله: أأقررتم بذلك [9] .

(1) مجمع البيان 1/ 213، والجامع لأحكام القرآن 2/ 134. ومدارك التنزيل 1/ 93.

(2) نظم الدرر للبقاعي 2/ 165.

(3) روح المعاني 1/ 388.

(4) نفسه 1/ 388.

(5) مجمع البيان 1/ 212.

(6) عمدة التفسير 2/ 271.

(7) سورة آل عمران /81.

(8) مقاييس اللغة 5/ 8 (قر) .

(9) التبيان في إعراب القرآن 1/ 277.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت