ويلحظ أنه قد عطف عليه: {وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} ، والإصر يعني: العهد [1] وإنما سمي (( العهد إصرًا؛ لأنه مَنْعٌ وتشديد ) ) [2] ، أي (( يمنع من الأمر الذي أُخِذَ له وثُقِّل وشُدد ) ) [3] . فهو على ما قيل من الثقل والعبء الذي يُلزم صاحبه أن يتقيد بما فيه [4] .
ويلحظ أن الجواب ورد من لدن النبيين، وقيل [5] أممهم معهم، مصدّرًا بالقول المسند إلى الجماعة وهو {قالوا} ، وورد الجواب مماثلا لجزء من سؤاله عز وجل، بقولهم: {أقْرَرْنا} فقط دون ذكر ما ورد بعده من الكلام الوارد في السؤال. فكان (( الظاهر في الجواب أقررنا على ذلك إصرك، لكنه لم يذكر الثاني إكتفاءًا بالأول ) ) [6] . وهو مما يمكن تسميته التماثل الجوابي لجزء من السياق قبله.
ومن جوابات التماثل أيضًا، قوله عظم شأنه في المنافقين: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [7] .
فقد وقع التماثل الذي سمّاه ابن فارس [8] : (المحاذاة) ، بين قوله الإخباري: {فسيخرون} ، وقوله على جهة الرد الحاسم الذي يجبههم به [9] : {سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} ، فهو من (( باب الجزاء على الفعل بمثل لفظه ) ) [10] ، بمعنى أن الله تعالى سخر منهم مجازاة على سخريتهم [11] . فوقع جوابه سبحانه وردّه عليهم على سبيل حمل اللفظ على اللفظ [12] أو التجانس [13] ، أو المشاكلة أو التمثيل [14] ، والنظير لتعبير الخبر المحكي عنهم.
(1) المفردات في غريب القرآن /21 (أصر) ، والكشاف 1/ 441، وتفسير الجلالين /75، وصفوة البيان /87، ومواهب الرحمن 3/ 212.
(2) الجامع لأحكام القرآن 4/ 126. ينظر روح المعاني 3/ 212.
(3) تفسير غريب القرآن /107.
(4) ألفاظ غريب القرآن دراسة دلالية /78.
(5) مجمع البيان 2/ 468.
(6) روح المعاني 3/ 212.
(7) سورة التوبة /79.
(8) الصاحبي /384.
(9) في ظلال القرآن 3/ 1681.
(10) الصاحبي /385. ينظر بلاغة القرآن بين الفن والتاريخ فتحي احمد عامر /83.
(11) الجامع لأحكام القرآن 8/ 215، وتفسير الجلالين / 255.
(12) سر الفصاحة /132.
(13) النكت في إعجاز القرآن /91، وسر الفصاحة /185.
(14) التحرير والتنوير 10/ 275.