ويلحظ أن قوله {يَسْخَرون} ورد بصيغة الفعل المضارع وفاعله ضمير الجمع (الواو) . أما قوله في الجواب: {سَخِرَ} ، فقد ورد بصيغة الماضي المستمر، وفاعله لفظ الجلالة المذكور.
واختيرت صيغة المضارع في قوله {يسخرون} ؛ (( للدلالة على التكرر وإسناد(سخر) إلى الله تعالى على سبيل المجاز الذي حسَّنته المشاكلة لفعلهم، والمعنى أن الله عاملهم معاملة تُشبه سخرية الساخر، على طريقة التمثيل، وذلك في أن أمر نبيه بإجراء أحكام المسلمين على ظاهرهم زمنًا ثم أمره بفضحهم.
ويجوز أن يكون إطلاق سَخِرَ اللهُ منهم على طريقة المجاز المرسل، أي احتقرهم ولعنهم ولمّا كان كل ذلك حاصلا من قبل عبَّر عنه بالماضي في {سَخِرَ اللهُ مِنْهُم} )) [1] .
فقد اختلفت السخريتان؛ إذ جزاء سخرية المنافقين سخرية من الإله الجبار تهويلا لها؛ فيا لهولِها من سخرية ويا لهولها من عاقبة وجزاء على سخريتهم [2] .
ثم عطف على السخرية قوله: {ولَهُم عَذابٌ أليم} ، أي سخر تعالى منهم وقضى عليهم في الآخرة بالعذاب الأليم [3] . فهو إذن تماثل على سبيل الجزاء.
ونحو هذا من الجوابات التي ورد فيها التماثل على سبيل الجزاء، قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون} [4] . فجملة {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} وردت جوابًا لسؤال مقدر [5] ؛ لأن (( حكاية حال المنافقين في الذي قبله لما كانت تحرك السامعين أن يسألوا: ما مصيرُ أمرهم، وعقبى حالهم، وكيف معاملة الله إياهم ) ) [6] .
فكان جوابه سبحانه (( بأنه يستهزئ بهم ) ) [7] .
وقد قدّر العلوي [8] (ت 745 هـ) ذلك السؤال بقوله: (( من يستهزئُ بهم؟ فقيل: الله يستهزئُ بهم ) ). فورد الجواب مماثلًا لقولتهم من حيث اللفظ لا المعنى. فقد اتفقا لفظًا واختلفا معنى. فالاستهزاء من لدن الله سبحانه، يعني أنه سبحانه (( مجازيهم جزاء الاستهزاء ... فأخرج خبره عن جزائه إياهم وعقابه لهم مخرج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا في اللفظ وإن
(1) نفسه 10/ 275.
(2) في ظلال القرآن 3/ 1681.
(3) التحرير والتنوير 10/ 276.
(4) سورة البقرة /14 - 15.
(5) الطراز 2/ 47، والتبيان لابن الزملكاني /142.
(6) مفتاح العلوم /476، وينظر نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز للرازي /167.
(7) معترك الأقران 2/ 482.
(8) الطراز 2/ 47، وينظر 2/ 52.