اختلف المعنيان )) [1] ، فورد على سبيل (( مقابلةِ اللفظ على طريقة المشاكلة ) ) [2] ، أي إنه من باب التماثل في اللفظ والتجانس في الوحدات الصوتية مع اختلاف المعاني فإن (( معنى الاستهزاء الذي أضافه تعالى إلى نفسه تجهيله لهم وتخطئته إياهم في إقامتهم على الكفر وإصرارهم على الضلال، وسمى الله تعالى ذلك استهزاءً مجازًا وتشبيهًا ... لأن الاستهزاء الحقيقي هو ما يقصد به إلى عيب المستهزأ به، والازدراء عليه، وإذا تضمنت التخطئة والتجهيل والتبكيت هذا المعنى جاز أن يُجرَى عليه اسم الاستهزاء ) ) [3] .
وقيل إن (( استهزاء الله بهم وهو أن خذلهم فخلاهم وما سوَّلت لهم أنفسهم مستدرجًا إياهم من حيث لا يشعرون متصل لا ينقطع بكل حال خلوا إلى شياطينهم أم لم يخلوا إليهم ) ) [4] . وكذلك اختلاف الصيغ. فقد وردت قولتهم بصيغة اسم الفاعل. وأما الجواب فقد ورد بصيغة المضارع الدال على (( الاستمرار التجددي ) ) [5] ، إذ إن الفعل المضارع (( يشعر في معرض الذم أو المدح بالديمومة ) ) [6] . فكان جوابه سبحانه بالاستهزاء (( أبلغ من استهزائهم وإفادته الاستمرار لاقتضاء المقام ) ) [7] .
فضلًا عما في ذكر اسم الجلالة في ابتداء الجملة من تفخيم وتعظيم لمكانة المؤمنين المستهزَأ بهم [8] .
ونظيره وصفه تعالى أصحاب الجنة، إذ {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [9] . فوقع التماثل بين قوله: {تُسَبِّحُونَ} الذي حُذف مفعوله، أي: تسبحون الله، وقولهم: {سُبحانَ} ، فهم قد (( تكلموا بما كان يدعوهم إلى التكلم به، على أثر مقارفَةِ الخطيئة ) ) [10] .
(1) تفسير القرآن العظيم 1/ 77 - 78. وينظر إعراب القرآن المنسوب للزجاج 1/ 376، وبلاغة القرآن بين الفن والتاريخ /83.
(2) تأملات في آيات القرآن 1/ 45.
(3) أمالي المرتضى 2/ 144.
(4) الإيضاح في علوم البلاغة /87.
(5) تلخيص البيان في مجازات القرآن /5، وينظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة /41.
(6) روح المعاني 24/ 50.
(7) التبيان في البيان /71.
(8) تأملات في آيات القرآن 1/ 43.
(9) سورة القلم /28 - 29.
(10) الكشاف 4/ 145.