الصفحة 187 من 342

أن يكونوا بشرًا مثلهم ولما كان كذلك أخرج اللفظ مخرجه )) [1] فالرسل عليهم السلام لم يدفعوا بشريتهم ولم يكونوا رافعي صفة البشرية عن أنفسهم وادعاء الملائكية، ولكن الكفار كانوا يعتقدون أن الله لا يرسل إلا الملائكة رسلًا، وجعلوا ادعاءهم النبوة نفيًا للبشرية عن أنفسهم (( فأخرج الكلام مخرج ما يعتقدهُ الكفَّارُ، وأُخرِج الجواب أيضًا مخرج ما قالوا، حكاية لقولتهم، كما يحكى المجادل كلام خصمه ) ) [2] .

وعلى ذلك فالتماثُلُ في الآيتين قد وقع في التركيب من جهة المعنى وفي الأسلوب كذلك. فالتناظر التركيبي يتضح من إعادة الضمائر والأسماء. فالضمير {أَنْتُمْ} في قولتهم لجماعة المخاطبين، نظير الضمير في جواب الرسل. إذ قالوا: {نَحنُ} لجماعة المتكلمين. والضمير (نا) في {مِثْلُنَا} لجماعة المتكلمين نظير ضمير الخطاب: (الكاف) الذي أردف بميم الجمع في {مِثْلُكُم} . وعلى هذا اتفق المعنى في التعبيرين.

أما التماثل في الأسلوب، فيتضح في أن كلا التعبيرين وقع بأسلوب القصر، بطريق النفي والاستثناء.

ومن هذا الوادي قوله تعالى في المجادلة بين نبي الله إبراهيم عليه السلام، والنمرود، وما فيها من مغالطة هذا الملك الطاغية، {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [3] . فوقع جواب النمرود مماثلا لقوله عليه السلام تماثُلَ تركيب دون المعنى، إذ وقع على سبيل المغالطة. فالنمرود (( لم يفهم معنى الإماتة والإحياء اللذين أرادهما ) ) [4] إبراهيم عليه السلام؛ إذ المعنى المراد من الإحياء والإماتة من لدن الله سبحانه يختلف عن معناهما من لدن النمرود، إذ أراد بذلك: أنا (( أعفوا عمَّن استحق القتل فأحييه؛ و(أميت) : أقتل من أريد قتله فيموت )) [5] .

ويلحظ أن التماثُلَ هنا وقع في الإحياء والإماتة دون الضمائر، إذ إن الضمائر في قوله عليه السلام وردت للغيبة والمراد بها الله سبحانه. أما في قول النمرود فوردت بضمائر المتكلم الحاضر. فضلا عن اختلاف المعنيين مع تماثل التركيبين، فجواب النمرود ورد على سبيل التناقض الاعتقادي المباشر [6] .

(1) نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز /183.

(2) البرهان في علوم القرآن 4/ 231. وينظر نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز / 183.

(3) سورة البقرة /258.

(4) تحرير التحبير /565.

(5) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة /94. وينظر تفسير القرآن العظيم 1/ 463.

(6) جدلية القرآن /131.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت