وقد قيل [1] في آيات هذا الجدل: إنها وقعت في باب ما يسمى بالحيدة والانتقال، وهو (( أن يجيب المسؤول بجواب لا يصلح أن يكون جوابًا عما سُئل عنه أو ينتقل المستدل إلى استدلال غير الذي كان آخذًا فيه ) ). فإبراهيم، عليه السلام، بعد أن سمعَ جوابَ النمرود المماثل لخبر إبراهيم انتقل، عليه السلام، إلى (( استدلالِ لا يجدُ الجبارُ لهُ وجهًا يتخلَّصُ بهِ منهُ فقال: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} ، فانقطعَ الجبَّارُ وبُهِتَ ) ) [2] .
ونحو هذا قوله تعالى حكاية لكلام الطاغين مع بعضهم يوم البعث: {هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ} فقد وقع التماثل في قول المتبوعين {لا مَرْحَبًا بِهِمْ} وجواب الاتباع {لا مَرْحَبًا بِكُمْ} [3] المسبوق بالإضراب بـ (بل) ، وهو دعاء من بعضهم على بعض بالسوء، لأنَّ {مرحبًا} من الرحب، ويعني السعة، وهو دعاء خير، وبدخول (لا) يكون دعاء سوء، وهو مفعول به لفعل محذوف واجب الحذف، والباء في (بهم) و (بكم) للبيان [4] .
ويلحظ أن الضمائر اختلفت في التعبير، إذ الضمير في {بِهم} لجماعة الغائبين وفي {بكم} لجماعة المخاطبين.
ومثلما تناظر التعبيران في الألفاظ، تناظرا في الأسلوب الذي وردا فيه، إذ كل من قول المتبوعين وقول الأتباع ورد على سبيل الدعاء المعلل. فقولهم: {إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ} تعليل لاستحقاقهم الدعاء. وقول الاتباع: {أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا} تعليل لأحقية المتبوعين بذلكَ الدُّعاء [5] .
وما تقدم من جوابات وقع مماثلا لسياق سابق له، متصلا ومقترنًا به، غير أن هناك جوابات من هذا اللون وقعت منفصلة عن سياقاتها. وقد تكون في السورة ذاتها أو في غيرها.
ومن ذلك ما ورد في قوله تعالى على لسان المشركين استهانة وتهكُّمًا [6] بالمرسل إليهم: {مَالِ هَاذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ} [7] . فقد وقع جوابُ هذا التعبير في السورة ذاتها، غير أنه ورد منفصلا عمّا وقع جوابًا له؛ إذ قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ
(1) تحرير التحبير /565. والإتقان 2/ 136.
(2) الإتقان 2/ 137، والآية /258 من سورة البقرة.
(3) سورة ص /59 - 60.
(4) الكشاف 3/ 379، والبرهان في علوم القرآن 1/ 307، وروح المعاني 23/ 217.
(5) الكشاف 3/ 379، وروح المعاني 23/ 217.
(6) روح المعاني 18/ 237.
(7) سورة الفرقان /7.