ويلحظ في هذا الجواب الحواري إطناب [1] ، بذكر المسند إليه {هِيَ} وهو المبتدأ. وكان (( يمكن في غير النظم القرآني أن يقول: {عَصَايَ} فقط، لقيام القرينة الدالة على المسند إليه ) ) [2] . ولكن المتكلم يحذف أو يذكر تبعا لوضعه النفسي الذي هو جزء من أسلوب تعبيره [3] . فكانت لموسى عليه السلام رغبة في المناجاة، وعلى هذا (( بسط الحديث، وطول مقام التكلم في حضرة ذي الجلال، لأنه تشريف ما بعده تشريف، ولهذا أخذ يتحدث عن عصاه، ويذكر ما لا يقتضيه السؤال استرسالا في سوق الحديث ) ) [4] . فقد ذكر عليه السلام منافعها له وبيّن حاجته إليها، فطابق في ذلك السؤال وزاد في الجواب [5] .
ويلحظ في جوابه عليه السلام أنه نسب العصا إلى نفسه في قوله: {عَصَايَ} ، وذلك (( تحقيقا لوجه كونها بيمينه وتمهيدًا لما يعقبه من الأفاعيل المنسوبة إليه عليه السلام ) ) [6] . وقيل إنه (( أضاف العصا إلى نفسه، لينتقل بذلك إلى بيان فوائدها ) ) [7] وقد ورد قوله: {وَلِيَ فِيهَا مَئارِبُ أُخْرَى} على سبيل الإجمال، إذ أجمل في المأرب [8] ؛ لأنه إن فصّل القول فيها، طال القول. فيخرج عندئذ عما تقتضيه البلاغة [9] ، والنظم القرآني المعجز.
فموسى عليه السلام في جوابه للباري سبحانه قد ذكر حقيقة ما في يده (( ومنافعها مفصّلا ومجملا على معنى أنها من جنس العصيّ تنفع منافع أمثالها؛ ليطابق جوابه الغرض الذي فهمه ) ) [10] . مع زيادة في الجواب، التذاذًا بالحديث مع الباري سبحانه. ويستمر الحوار مع ربه فيأمره سبحانه مكررًا النداء له (( لمزيد التنبيه والاهتمام بشأن العصا ) ) [11] ، فيقول له: {أَلْقِهَا يَامُوسَى} [12] ، والإلقاء: هو طرح الشيء على الأرض [13] . وقد أجاب موسى أمر ربه {فَأَلْقَاهَا} [14] ، وهي إجابة سريعة منه عليه السلام لأمر الله تعالى دلت عليها الفاء التعقيبية.
(1) مفتاح العلوم /501.
(2) من بلاغة النظم العربي 1/ 136.
(3) نحو التيسير /61.
(4) خصائص التراكيب /145. ينظر دلالة الجملة الاسمية في القرآن الكريم /181.
(5) مسائل الرازي و أجوبتها /219، وروائع الاعجاز في القصص القرآني /358.
(6) روح المعاني 16/ 174.
(7) من اعجاز البيان في القرآن الاستفهام /284.
(8) الكشاف 2/ 533.
(9) دلالة الجملة الاسمية في القرآن الكريم /181.
(10) أنوار التنزيل وأسرار التأويل /415.
(11) روح المعاني 16/ 177.
(12) سورة طه /19.
(13) المفردات في غريب القرآن/685 (لقى) . وروح المعاني 16/ 177.
(14) سورة طه /20.