ومن هذا اللون من الحوار ما دار بين الباري سبحانه والنبي محمد صلّى الله عليه وآله وسلم، فقد قال تعالى مخبرًا عنه صلّى الله عليه وآله وسلم: {وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ} [1] . فجاء الجواب سريعًا لاحقا بالخبر المتضمن الشكوى من عنت قومه صلّى الله عليه وآله وسلم، وهو قوله عظم شأنه: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَام فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [2] . وهو جواب قد صدر من الباري سبحانه، تطمينًا للرسول صلّى الله عليه وآله وسلم من غير تلقين أو تصدير بإحدى صيغ القول، بل جاءه سريعًا مباشرًا {فَاصْفَح} والصفح: (( ترك التثريب - وهي المؤاخذة - وهو ابلغ من العفو ) ) [3] . وقد عطف عليه أمر آخر هو {قُلْ سَلَام} ، وكأنه توكيد للتعبير الأمري الأول. ثم اتبع ذلك بتهديدهم وابعادهم بقوله لهم: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} . وهو تهديد ورد بأسلوب الخطاب للمهدّدين، إذ التفت التعبير من خطاب الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم إلى خطاب الكافرين وفي هذا الالتفات تشديد وغلظة زائدة على ما في التهديد من هذه المعاني.
إن أهم ما يلحظ في صور هذا اللون من الحوار اختلاف رتب المتحاورين، وأنه حوار - في الغالب - غير قصير، إذ يتناوب المتحاوران في العملية الكلامية، وأنه حوار ورد في حوادث وقصص سردت على سبيل بيان المعجزات والخوارق وسير الحوادث في الدعوة، وأن حوار الباري سبحانه ورد على سبيل الأمر المحزوم فيه بالوجوب منه سبحانه: (ألقها، خذها، لا تخف، خذ، صرهنّ، اصفح، قل) وأما أسلوب الأنبياء والرسل، فيلحظ فيه سمة الطاعة والخشوع والتضرع لله عظم شأنه: (هي عصاي، أهشّ، فألقاها، ربي ارني كيف تحيي الموتى، بلى ولكن ليطمئن قلبي، ياربّ) .
(2) حوار الملائكة الأنبياء والمصطفين:
ومن جوابات الحوار التي دارت بين الملائكة والأنبياء، حوار نبي الله إبراهيم عليه السلام لهم. فقد قال تعالى مخبرًا عنه: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ قَالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِي الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنْ الْقَانِطِينَ قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا
(1) سورة الزخرف/88.
(2) سورة الزخرف /89.
(3) المفردات في غريب القرآن / 417 (صفح) .