الْكِبَرُ؟ وقد حذف مفعول الفعل (بشّر) ، لدلالة الكلام عليه، وتضمن الحرف (على) معنى (مع) للدلالة على شدة اقتران البشارة بمس الكبر إياه [1] .
ثم أكد إبراهيم عليه السلام تعجبه وزاد عليه بالاستفهام الثاني [2] بقوله: {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} ؟، أي: (( أبأمر الله تعالى فأثق به أم من جهة أنفسكم ) ) [3] ؟ فيخرج ذلك الاستفهام إلى معنى التعجب [4] أيضًا. والباء هنا للملابسة [5] وقد أجابته الملائكة بقولهم: {بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ} ، أي الخبر الحق الثابت الذي لاشك فيه، إذ هو (( على وجه الحقيقة بأمر الله ) ) [6] تعالى. فكان استفهامه عليه السلام ضربا من التعجب والاستغراب مما بشروه به.
وقد زادت الملائكة عليهم السلام في تطمين إبراهيم عليه السلام؛ إذ قالوا: {فَلا تَكُنْ مِنْ الْقَانِطِينَ} . فهذا نهي له عن استبعاد خلق الولد بين الشيخ الكبير والعجوز العقيم الذي هو من رحمة القدير، فاستبعاده يفضي إلى القنوط [7] من رحمة الله سبحانه، فنبهته الملائكة عليه.
وأجابهم عليه السلام باستفهام إنكاري [8] فيه معنى النفي [9] المؤكد، وكأنه أرعوى بعد أن اخرج من روعه ليجد أن استنكاره البشري كان شكلا من أشكال الضلال الذي لا يليق به [10] ، إذ قال: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ} ؟ مبعدًا عن نفسه، ونافيًا أن يكون ذلك الاستغراب والتعجب منه قنوطًا [11] . أي أنه عليه السلام (( راجعهم في ذلك على وجه الاستفهام دون الشك في أقوالهم ) ) [12] .
فتعبيره الجوابي الاستفهامي هذا (( إنكار في معنى النفي، ولذلك استثنى منه {إِلا الضَّالُّونَ} . يعني انه لم يذهب عنه اجتناب القنوط من رحمة الله، ولكنه امتلكه المعتاد فتعجب فصار ذلك كالذهول عن المعلوم، فلما نبهته الملائكة أدنى تنبيه تذكر ) ) [13] .
(1) التحرير والتنوير 14/ 59.
(2) التحرير والتنوير 14/ 59، وروح المعاني 14/ 61.
(3) مجمع البيان 6/ 340.
(4) الكشاف 2/ 392، وتفسير الجلالين /342، وروح المعاني 14/ 61.
(5) روح المعاني 14/ 61.
(6) مجمع البيان 6/ 340.
(7) التحرير والتنوير 14/ 59 - 60.
(8) روح المعاني 14/ 62.
(9) مجمع البيان 6/ 340.
(10) دراسة نصية (أدبية) في القصة القرآنية/ 85.
(11) الكشاف 2/ 393.
(12) تفسير التبيان 6/ 343.
(13) التحرير والتنوير 14/ 60.