الصفحة 201 من 342

وبعد أن بين عليه السلام تعجبه، وعرف أن هؤلاء الضيوف ملائكة مرسلون، توجه إليهم بالسؤال، فقال: {فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ} ؟.

فأخبروه بأسلوب التوكيد، بالأمر الذي أرسلوا به؛ إذ {قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إِلا ءآلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنْ الْغَابِرِين} .

فهذا إخبار مؤكد بـ (إن) . وقد ورد فعل الإرسال مبنيًا للمجهول؛ إجلالا للمرسل سبحانه وتعظيمًا له. وورد {قوم} نكرة، وقد وصفوا بالإجرام استهانة بهم وذمًا لهم [1] ، لأن (( المجرم المنقطع عن الحق إلى الباطل، وهو القاطع لنفسه عن المحاسن إلى المقابح ) ) [2] . والاستثناء في {ءآلَ لُوطٍ} يحتمل أن يكون متصلا، إذا كان استثناءً من الضمير في قوله: {مجرمين} ، وتقديره: إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم. ويحتمل أن يكون منقطعا، فيكون {ءآلَ لُوطٍ} مستثنى من قوم، والقوم موصوفون بالإجرام فاختلف لذلك الجنسان [3] .

ويختلف المعنى باختلاف الاستثناء، فيكون {ءآلَ لُوطٍ} في الاستثناء المتصل داخلين في حكم الإرسال، وفي المنقطع مُخْرَجين من هذا الحكم. ومن ثم يختلف الحكم الإعرابي لقوله تعالى: {إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ} فبالاتصال يكون كلامًا مستأنفًا جوابًا لسؤال سائل مقدر. كأن إبراهيم عليه السلام قال لهم: فما حال آل لوط؟ فقالوا في جوابهم: {إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ} . وأما في انقطاع الاستثناء، فيكون جاريا مجرى خبر لكن، أي لكن آل لوط منجون [4] . والمعروف لدى النحاة أن (إلا) إذا كانت ضمن استثناء منقطع، فهي بمعنى لكن. والمنقطع هو الذي لا يكون فيه المستثنى منه جزءًا من المستثنى.

ويلحظ أن التعبير الاستثنائي جاء باستثناء آخر في قوله تعالى: {إِلا امْرَأَتَهُ} ، أي أنه (( استثنى من جملة آل لوط أمرأته، وبيّن أنها هالكة من الهالكين، {وقَدَّرْنَا} أي كتبنا {إِنَّهَا لَمِنْ الْغَابِرِين} والغابر الباقي في من يهلك. والغابر الباقي في مثل الغبرة، مما يوجب الهلكة ) ) [5] .

ومن هذا اللون من الحوار قوله تعالى مخبرًا عن محاورة زكريا عليه السلام الملائكة حين {دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [6] .

(1) روح المعاني 14/ 62.

(2) تفسير التبيان 6/ 343.

(3) الكشاف 2/ 393. ومجمع البيان 6/ 340.

(4) الكشاف 2/ 393.

(5) تفسير التبيان 6/ 343. وينظر جامع البيان للطبري 19/ 106.

(6) سورة آل عمران / 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت