وقد استجاب الله تعالى لدعائه بقوله: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ} [1] . والنداء هو المخاطبة، أي: (( خاطبته الملائكة شفاهًا خطابًا أسمعته وهو قائم يصلي في محراب عبادته ) ) [2] ، وخطابها له هو: {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ} [3] .
فقد أخبرته الملائكة بالبشارة، حين أجاب الله دعوته. غير أن زكريا صار يتعجب [4] من خلق الغلام، مستبعِدًا له من حيث العادة، ومستعظمًا [5] بإجلال لقدرة الله سبحانه في خلقه، مع كبر سنه وعقم زوجه. فقال سائلا على سبيل التعرف [6] مخاطبًا ربه سبحانه: {رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} [7] ، ولم يخاطب زكريا عليه السلام (( الملك المنادى، طرحًا للوسائط؛ مبالغة في التضرع وجدًا في التبتل ) ) [8] .
ويلحظ في تعبير زكريا التعجبي، أنه أسند البلوغ إلى الكبر، وذلك من باب التوسع في الكلام وكأن الكبر طالب له وهو المطلوب [9] .وهذا ضرب من التشخيص الفني للزمان في القرآن، إذا لحظنا أن الكبر زمن لما تطاول من سني العمر، ويمكن حمله أيضا على أنه ضرب من التشخيص المعنوي، بحمل {الْكِبَرُ} على أنه معنى من المعاني.
وقد أتاه الرد محكيًا من الله سبحانه عن طريق الملك، بأن (قال) [10] ، أي الملك [11] : {كَذَالِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [12] .فورد الجواب مصدرًا بالقول، ثم بالإشارة البعيدة: {كَذَالِكَ} ، (( لتحقيق المعنى وتثبيته ) ) [13] ، والمعنى: الأمر كذلك، بحذف المبتدأ [14] ، وتقديم لفظ الجلالة المنبئ عن الاهتمام وتنبيه المخاطب [15] . ثم إن التعبير جاء بـ {يَفْعَلُ} (( كناية عن أفعال متعددة ) ) [16] ، وهو فعل دال على التجدد والحدوث
(1) سورة آل عمران / 39.
(2) عمدة التفسير 2/ 245.
(3) سورة آل عمران / 39.
(4) عمدة التفسير 2/ 245.
(5) مدارك التنزيل وحقائق التأويل 1/ 247، وروح المعاني 3/ 149.
(6) مجمع البيان 2/ 439.
(7) سورة آل عمران /40.
(8) روح المعاني3/ 148.
(9) نفسه 3/ 149.
(10) سورة آل عمران / 40.
(11) عمدة التفسير 2/ 246.
(12) سورة آل عمران /40.
(13) من بلاغة القرآن / 215.
(14) نفسه / 216.
(15) البلاغة والأسلوبية / 250.
(16) البرهان لابن الزملكاني / 155.