وما ذكر من أدوات الجواب المفردة هو المشهور، وقد ذَكَرَ غير واحد أدوات جعلها للجواب مثل: إنّ، وإنَّما، وَقَدْ، ولمّا، ولم، وما، وسبحان، وإذن، ورُبَّ، والاستثناء الملغى، وقُل، وألا، و بَلْ، و لَنْ.
فأما (إنّ) فقد ذكر الجرجاني (ت 470 هـ) أنها تكون في كثير من مواقعها جوابًا عن سؤال محقَّق، أو مقدّر، بشرط أن يكون السائل ظانًّا في الأمر المسؤول عنه، خلاف ما وقع جوابًا عنه. قال: (( إذا قيل: إنها جواب سائل، أنْ يشترط فيه أن يكون للسائل ظنٌ في المسؤول عنه، على خلاف ما أنت تجيبه به ) ) [1] . فتكون (إنّ) في الجواب معلِّلة الأمر مبينة سببه، كما في قوله تعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [2] وغيرها.
وذكر العكبري (ت 456 هـ) أنّ (إنّ) بمعنى (نَعَمْ) في قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} [3] ، وقوله {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [4] ،وقوله {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَؤُ الْمُبِينُ} [5] ، ثم صححه بقوله (( وهذا جواب صحيح عندنا ) ) [6] . وفي ما قاله نظر، إذ تبدو (إنّ) في هذه الآيات على ظاهرها في المعنى، وهي التوكيد فحسب لا أنها بمعنى (نَعَمْ) .
وذكر ابن الحاجب [7] (ت 646 هـ) أنها تصديق للخبر، وقيل: إنها على وجهين: أحدهما تكون فيه حرف توكيد تنصب الاسم بعدها وترفع الخبر. والثاني أن تكون جوابية بمعنى (نَعَمْ) ، خلافًا لأبي عبيدة. وقد استدل المثبتون لهذا الوجه بقول الشاعر ابن قيس الرقيات (ت75هـ) : ... (مجزوء الكامل)
وَيَقُلْنَ شيْبٌ قَد عَلاَ ... ك وَقَد كَبِرْتَ، فقلتُ إنَّهْ [8]
وهو الشاهد النحوي المعروف [9] ، كما استدلوا بقول ابن الزبير لمن قال:(لعن الله
ناقةً حملتني إليك)قال: إنَّ وصاحبها يعني نَعَمْ [10] .
(1) دلائل الإعجاز /309. وينظر دلالة الجملة الاسمية في القرآن الكريم، شكر محمود عبد الله، جامعة بغداد كلية التربية للبنات، رسالة دكتوراه، 1420 هـ - 1999م، ص58 - 59.
(2) سورة يوسف /53.
(3) سورة الواقعة /95.
(4) سورة الصافات /60.
(5) سورة الصافات /106.
(6) شرح اللمع 1/ 72 - 73.
(7) شرح الوافية نظم الكافية /403.
(8) ديوانه /28.
(9) الكتاب 3/ 151، 4/ 162، وشرح الوافية /403، ومغني اللبيب 1/ 38.
(10) شرح الوافية /403. ومغني اللبيب 1/ 37 - 38. والإتقان 1/ 156.