أوَّلا: جوابات بيانية لسؤال ظاهر:
إن البيان قد وقع في عدد ليس بقليل من الآيات، لأن المسلمين سألوا عن مسائل كثيرة، وعن أحكام كانوا قد اعتادوها في جاهليتهم، كالخمر والميسر، والحيض وغيرها. وعن عناصر وظواهر في الطبيعة تحدثُ بمرأى منهم، كسؤالهم عن (الأهلَّة) ، أو عن أمور غيبية الوقوع، كسؤالهم عن مصير (الجبال) ، وحالها عند قيام الساعة، وما إلى ذلك من التساؤلات. وظاهرة التساؤل هذه (( لها دلالتها في المجتمع المسلم الناشئ، وفي رغبة المسلمين في معرفة أحكام دينهم في شؤون حياتهم ) ) [1] وآخرتهم بعد مماتهم.
فهم يسألونه - صلى الله عليه وسلم - {مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} [2] ، وهو سؤال (( يصوِّرُ حالةً نفسيةً لتلك الجماعة المختارة، التي سُعِدَت بخطاب الله تعالى لها أول مرة، ويشي بما خالج تلك النفوس من التحرج والتوقي، من كل ما كان في الجاهلية؛ خشية أن يكون الإسلام قد حرمه. وبالحاجة إلى السؤال عن كل شيء؛ للتثبت من أن المنهج الجديد يرتضيه ويُقرُّه ) ) [3] .
وقد تضمن سؤالهم هذا معنى القول [4] ، ولذا (( حكيت به الجملة كما تحكى بالقول ) ) [5] . فجاءهم الجواب بالتلقين، مبينًا لهم ما سألوا عنه، وبإعادة الفعل المسؤول عنه، وهو (أُحِلَّ) ، توكيدًا، فقال تعالى: {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَات وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ} [6] . والطيّب: هو كل ما كان حلالًا، فكل حرام ليس بطيِّب [7] . وقيل: إن الطيب يُطلقُ على (( معنيين: أحدهما: ما يلائم النفس ويلذها، والثاني: ما أحَلَّ الله. والخبيث ضدُّهُ ) ) [8] .
والمراد بالطيِّبِ هنا المعنى الثاني، أي: كل (( ما أذن الشارع في أكله ) ) [9] من (( المأكولات والذبائح والصيد ... ) ) [10] ، فبدأ الجواب بأمر عام هو {الطَّيِّبَات} ثم أضاف لها
(1) في ظلال القرآن سيد قطب 2/ 765.
(2) سورة المائدة /4.
(3) في ظلال القرآن 2/ 846.
(4) الكشاف 1/ 594. مدارك التنزيل 1/ 465.
(5) روح المعاني 6/ 62.
(6) سورة المائدة /4.
(7) مجاز القرآن 1/ 153. وإعراب القرآن للنحاس 2/ 8، ومختصر تفسير الميزان للطباطبائي /133.
(8) أحكام القرآن لابن العربي 2/ 544.
(9) صفوة البيان حسنين مخلوف /143.
(10) مجمع البيان 3/ 161. والإكليل للسيوطي /107.