نفلها الله النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه )) [1] ، أي: الغنائم التي أُخذت عن الكفار قهرًا يومَ بدرٍ [2] . فالجواب ورد مبينًا حكمها بأن أمر توزيعها وكِّلَ إليه - صلى الله عليه وسلم -. وأنها قد أحلت لهم بعد أن كانت حرامًا على من كان قبلهم [3] .
وقد استفتح الجواب الملقن بلفظ كريم، وهو {الله} سبحانه، وعطف عليه {الرسول} بعد حذف اللام الجارة منه. وقد يراد باللام الداخلة على لفظ الجلالة الملك والاختصاص، لأنها تكون بين ذاتين ليست إحداهما مالكة [4] ، فاختص دخول اللام على لفظ الجلالة دون لفظ الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأن الملك مختص به سبحانه.
ثم أردِفَ هذا البيان لحكم الأنفال، بتعبير طلب فيه السرعة بقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} ، فألزمهم تقوى الله، ثم أرشدهم إلى مراعاة الأحوال والأمور التي تجمعهم وتحقق اتصالهم: كالقرابة، والمودة، والوُصْلَةِ، وتجنب الأمور التي توجب تشتتهم وفرقتهم.
ويلحظ أنه كنَّى [5] بقوله تعالى {ذاتَ بَينِكُم} عن المنازعة والخصومة. وقد دلَّ قولُهُ {وأصْلِحُوا} على هذا المعنى.
ونظيره في هذا الأسلوب، قوله تعالى حكاية عن سؤالهم المحتمل الوقوع للرسول - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا: عما عليه حال الجبال حين قيام الساعة، فقال عز من قائل: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا ا} [6] .
فجاءهم الجواب من لدن النبي - صلى الله عليه وسلم - تلقينًا من عند ربه بلفظة: (قُلْ) ، مُصدرًا بفاء التعقيب الدالّة على المسارعة في الجوابِ، وعدم تأخيرِ البيان في هذهِ المسألةِ الأصولية، فإن الشك فيها كفر [7] . وقيلَ: إنَّ جميعَ ما في القرآنِ من السؤالِ وقع الجوابُ عنهُ بغير فاء إلا في هذهِ الآية، لأنَّ الجواباتِ في الجميعِ كانت بعد السؤالِ وفي هذهِ الآية كانت قبل السؤال؛ فكأنهُ قيل: إن سُئلتَ عَنِ الجبالِ فقل [8] . فجاء الجوابُ مصوِّرًا ذلك الهول الذي سيواجهونه بألفاظ غريبة، تناسب التعبير عنه، وهي النسف، والصَفْصَف، والأمت. فتلك الجبال العظيمة قد
(1) مجاز القرآن 1/ 240.
(2) مجمع البيان 4/ 517. وصفوة البيان /233.
(3) من بديع لغة التنزيل /119.
(4) اللامات للزجاجي/47، ومنازل الحروف/69، وأثر الدلالة اللغوية في استنباط الأحكام الفقهية من السنة النبوية - يوسف خلف العيساوي - رسالة دكتوراه - جامعة بغداد - كلية الآداب 1420هـ/2000م ص375.
(5) مجمع البيان 4/ 518.
(6) سورة طه /105 - 108.
(7) التفسير الكبير 5/ 108، وروح المعاني 16/ 261 - 262.
(8) بصائر ذوي التمييز 1/ 153.