أقتُلِعَتْ فأُزِيلَتْ من أماكنها، وأصبحت شيئًا آخر، فالنسف يعني: الاقتلاع والإزالة [1] . والمعنى (( يجعلها ربي بمنزلة الرمال ثم يرسل عليها الرياح، فيذرها كتذرية الطعام من القشور والتراب فلا يبقى على وجه الأرض منها شيء، وقيل: يصيرها كالهباء ) ) [2] ، ثم أُكِّدَ هذا النسف بالمفعول المطلق من اللفظِ ذاته، وهو قوله: {يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا} .
ويلحظ أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أسند هذا الحدث الرهيب والتغيير العجيب في الجبال الراسيات، أسنده إلى ربه، بإضافته تعالى إلى ياء المتكلم. مشعرًا بذلك أن مثل هذه الأحداث الجسام لا يطيق إحداثها ولا يقدر عليها إلا ربه لا تلك الأرباب التي يعبدها المشركون من دون الله. ثم بين أنه {يذرها} ، أي فيجعل مقارَّ الجبال ومراكزها بعد هذا النسف {قاعًا} ، أي أرضًا ملساء [3] . و (القِيْعُ) و (القاع) هو (( المستوي من الأرض ) ) [4] . وقد أكد التعبير معنى الاستواء بلفظة {صَفْصَفًا} ، وتعني: أن هذا (( المستوى من الأرض كأنه على صف واحد ) ) [5] . وقيل إنّ (( القاع والصفصف بمعنى واحد وهو المستوى من الأرض الذي لا نبات فيه ) ) [6] ، فتكون {صفصفًا} على هذا توكيدًا للفظ الذي تقدمها وهو {قاعًا} .
وجاء التعبير هنا بكسر {عِوجًا} لا بفتحها، وبينهما فرق دلالي؛ إذ (( العِوَج بالكسر في المعاني، والعَوَج بالفتح في الأعيان ) ) [7] وهي المحسوسات. فاختار التعبير الكسر مع أن الأرض شيء مدرك بالحواس، وهو اختيار (( له موقع حسن بديع في وصف الأرض بالاستواء والملاسة، ونفي الاعوجاج عنها على أبلغ ما يكون ) ) [8] .
ولفظ (الأمْتُ) ، يعني المكان المرتفع [9] ، وقيل الارتفاع والانخفاض، والاختلاف في الشيء [10] . وهو الأرجح في هذا الموضع؛ لأنه جاء كالتعبير المؤكِّد لمعنى الاستواء الذي ورد
(1) المفردات في غريب القرآن /747 (نسف) .
(2) مجمع البيان 7/ 29، وصفوة البيان /407.
(3) الكشاف 2/ 553، ومجمع البيان 7/ 29، وصفوة البيان /407.
(4) المفردات في غريب القرآن /415 (قيع) . وصفوة البيان /407.
(5) المفردات في غريب القرآن /416 (صف) .
(6) مجمع البيان 7/ 29. وصفوة البيان /407.
(7) الكشاف 2/ 553.
(8) الكشاف 2/ 553.
(9) الكشاف 2/ 553، تفسير الجلالين /416، صفوة البيان /408.
(10) نزهة القلوب /15، ومجمع البيان 7/ 30، ولسان العرب 1/ 95 (أمت) ، وألفاظ غريب القرآن الكريم دراسة دلالية - يعرب مجيد العبيدي - جامعة بغداد - كلية الآداب - رسالة دكتوراه 1419هـ / 1999م، ص80.