الصفحة 45 من 342

قبله. وفضلا عن ذلك فإن سياق الألفاظ المحيط بالكلمة دلّ على كونها تعني الارتفاع والانخفاض [1] .

إن هذه الغرابة - التي وصفنا آنفًا - في الألفاظ جاءت متناسبة مع ما أُريدَ في الجواب من تصوير شدة الهول، الذي يواجهه المنكرون ليوم القيامة، فالقرآن الكريم (( يستخدم الألفاظ أو العبارات استخدامًا معينًا في مواقف معينة ) ) [2] . وهم يوم يرون هذه الأحوال، {يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ} . فلا يعدل عن صوت الداعي أحد، فيتبعونه سراعًا، يستوون إليه من غير انحراف [3] . وهنا يعمل التصوير الفني عمله في بيان هذا الحدث الخفي الهائل القادم؛ إذ (( تنصت الجموع المحشودة المحشورة، وتخفت كل حركة وكل نأمة ... وهكذا يخيم الجلال على الموقف كله، وتغمر الساحة التي لا يحدها البصر رهبة وصمت وخشوع. فالكلام همس، والسؤال تخافت. والخشوع ضاف. والوجوه عانية، وجلال الحي القيوم يغمر النفوس ) ) [4] ، و {يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [5] .

وورد قوله تعالى {يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مرْسَاهَا} [6] ، حكاية لسؤالهم عن المعاد ووقت قيام الساعة، وقد وقع سؤالهم بـ {أيَّانَ} التي اختصت بالسؤال عن الأمور الهائلة العظيمة [7] ، التي يراد بها التفخيم [8] ، فجاءوا بها (( لعظمتها في نفوسهم، ولولا ذلك لنابت(متى) وأغنت عنها )) [9] .

وقد وقع الجواب ملائمًا سؤالهم؛ جاء معظمًا أمر الساعة، مبيِّنًا اختصاص العلم بوقت حدوثها بالرب وحده سبحانه، ملقنًا ذلك نبيّه - صلى الله عليه وسلم -، مثبتًا علمها لله سبحانه وحده، بالتركيب (إنما) ، الذي يُؤتى به مع الأمور المعلومة التي لا يخالف فيها [10] . فقال: إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ

(1) من بلاغة القرآن /91.

(2) من إعجاز البيان في القرآن الاستفهام /269.

(3) الكشاف 2/ 553 - 554.

(4) في ظلال القرآن 4/ 2352.

(5) سورة طه /109.

(6) سورة الأعراف /187.

(7) الطراز 3/ 288.

(8) شرح المفصل 4/ 106. ينظر أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين قيس الأوسي /403.

(9) كشف المشكل في النحو 2/ 162.

(10) التبيان لابن الزملكاني /67.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت