الصفحة 47 من 342

وأما قولهُ تعالى: {وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [1] ، فقد جاء الجوابُ فيهِ مصدّرًا بالتلقين أيضًا، غير أنهُ ورد على سبيل الإيجاز لا التفصيل، بلفظ مفرد معرَّفٍ هو (العفو) ، الذي يعني في اللغة: الزيادة والفضل [2] . وقد اختُلِف في دلالته في هذا الجواب، فقيلَ: هو (( نقيض الجهد، وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منهُ الجهد واستفراغ الوسع ) ) [3] ، وقيل: (( الوسط من غير إسرافٍ ولا إقتار ) ) [4] ، وقيل: (( ما فضل عن قدر الحاجة ) ) [5] ، أو ما فضل عن العيال [6] . ومع هذا الاختلاف فهو لا يخرجُ عن معناهُ اللغوي في كونهِ دالاًّ على ما زاد من المالِ أو فضُلَ.

ويُلحظُ أن الجواب ورد بلفظ مفردٍ هو {العفو} من غير تفصيلٍ فيه، مع أنَّ بعضهم ذهبَ إلى القول بأنَّ (( مفهوم الاسم أمر مجمل، فإذا أُجيبَ بمركبٍ دخل في الجواب تفصيل ) ) [7] . وهذا ممَّا لا ينطبقُ على هذا الجواب، لأنهُ جاء مجملًا لا تفصيلَ فيهِ، مع أن {العفو} ورد بالنصبِ، أي (أنفقوا العفو) أو (( يُنفقون العفوَ ) ) [8] ، وقرىء بالرَّفعِ [9] على إضمار مبتدأ، أي: (( الذي يُنفِقُون العفوُ ) ) [10] ، أو (( هو العفو ) ) [11] والحجةُ في هذه القراءة أنَّ (( مَن رفعَ جعلَ(ذا) منفصلة من (ما) فيكون بمعنى: الذي، فكأنَّهُ قال: ما الذي يُنفقون؟ فقال: الذي ينفقون: العفوُ، فترفعهُ بخبر الابتداء، لأنهُ جعل الجوابَ من حيثُ سألوا )) [12] ، والتقدير في القراءتينِ يعني التركيب، ولكن من غير تفصيلٍ في الجوابِ، بل ورد مجملًا موجزًا عامًّا من غير تحديدٍ أو تخصيصٍ بأمور كالجواب التفصيلي السابق.

ومن جواباتِ البيانِ أيضًا، قولهُ تعالى في بيانِ الحكم الشرعي لتعاطي الخمر والميسر: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [13] . فقد جاء الجوابُ بالتلقينِ، مبيِّنًا الحكم الذي جاء من شقَّينِ، ففيهما الإثمُ والنفع، وقد قدَّم الإثمَ

(1) البقرة: 219.

(2) الكامل للمبرد 4/ 6، والتفسير الكبير 6/ 51، ولسان العرب 2/ 828 (عفا) .

(3) الكشاف 1/ 360.

(4) مجمع البيان 2/ 316.

(5) لباب التأويل 1/ 159. وينظر: مدارك التنزيل 1/ 159، وتفسير المراغي 2/ 138.

(6) الإكليل /50، ومواهب الرحمن 2/ 383.

(7) حاشية الدسوقي (شروح التلخيص) 2/ 274.

(8) معاني القرآن للفراء 1/ 141.

(9) قراءة أبي عمرو وحده، مجمع البيان 2/ 314، وهي قراءة مشهورة من القراءات السبع. ينظر الحجة في القراءات السبع / 96.

(10) معاني القرآن للأخفش 1/ 367.

(11) مدارك التنزيل 1/ 159.

(12) الحجة في القراءات السبع لابن خالويه /96.

(13) سورة البقرة: 219.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت