الصفحة 48 من 342

الذي يعني: الوزرَ [1] و الذنب [2] على المنافع، لأنَّ إثمهما واقعٌ في الدينِ، ونفعهما كائنٌ في الدُّنيا [3] .

وقد يكونُ هذا التقديم، واللهُ تعالى أعلم، أنهُ لمَّا كان في مقام ينهاهُم فيه عنهما، فكان ذكرُ ما يُنفِّرُهم منهما ببيانِ آثامهما وضررهما وتقديمه أولى، ثُمَّ إنَّ التعبيرَ لا ينسى حقيقةَ النفع فيهما، ولو كانَ ضئيلا.

ويُلحظُ أنَّ التعبيرَ وصَفَ ذلك الإثم بأنهُ {كبيرٌ} فهو (( وزرٌ عظيمٌ وكثير، من الكثرة ) ) [4] . وفيه من الدلالةِ على العمومِ والشمول.

أما المنافع، فلم ترد موصوفةً بشيءٍ، بل جاء التعبيرُ عنها مخصّصًا لها بالنَّاسِ، لما يحصل لهم من الالتذاذ والطربِ، وتسلية المحزون، وقوة الجسم، وسلب الأموالِ من غير كدٍّ ولا مشقَّةٍ [5] ، وهي في الواقع زائلةٌ لا قرار لها ولا بقاء.

ويُمكنُ القولُ: إنَّ تركَ الوصف للمنافع وتخصيصها بالناسِ، فيه دلالة على قلّةِ النفع المقابل لكبر الإثم تقابُلَ الضدِّ والنقيض؛ لأنَّ (( نفعهما في الدنيا وما يحصلُ من الإثم بهما يُوجبُ سخطَ الله في الآخرةِ، فلا يظهرُ في جنبهِ إلا نفعٌ قليلٌ لا بقاء لهُ ) ) [6] . وقد يكونُ هذا الوصفُ من بابِ أنَّ (( أصحابَ الشربِ والقمار يقترفونَ فيهما الآثام من وجوهٍ كثيرةٍ ) ) [7] . فالنفعُ يتضاءلُ ويتلاشى إزاء عظيم الآثامِ بسببهما.

ومن هذا اللون من الجوابات أيضًا، ما كان بيانًا لحكم القتالِ في قولهِ تعالى: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [8] ، فقد وقع قوله {قِتَالٍ فيْهِ} في تعبير السؤال، بدل اشتمالٍ من الشهرِ، و (الهاء) عائد على (الشهر) [9] ، لأنَّ (( الزمان يشتملُ على ما يقعُ فيهِ ) ) [10] .

(1) مجمع البيان 2/ 316.

(2) تفسير المراغي 2/ 138.

(3) عمدة التفسير 2/ 89.

(4) مجمع االبيان 2/ 316.

(5) الكشاف 1/ 359، ومجمع البيان 2/ 316، والتفسير الكبير 6/ 49.

(6) مجمع البيان 2/ 316.

(7) مدارك التنزيل 1/ 159.

(8) سورة البقرة: 217.

(9) شرح اللمع 1/ 231، وأسرار العربية للأنباري /99، والجامع لأحكام القرآن 3/ 44، ومواهب الرحمن 2/ 377.

(10) مجمع البيان 2/ 311.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت