وقد جاء الجوابُ بالواسطة (قُلْ) ، وبتنكير المسؤول عنهُ في الجواب، إذ لفظ (قتال) نكرة تُخصَّصُ بالظرفِ (فيه) ، فحسُنَ كونهُ مبتدأً [1] .
وجاء هذا التنكيرُ في المبتدأ (( احترازًا عن توهُّمِ التعيين، وإيذانًا بأنَّ المرادَ مطلقُ القتال الواقع فيه، أيّ قتال كان ... ) ) [2] ، لأنَّ في التنكير استغراقًا للجنسِ، وفي التعريف تناول للبعضِ [3] . وهذا يعني أنَّ (( كلَّ قتالٍ في الشهر الحرامِ كبيرٌ، لا القتال الواحد؛ لأنهُ لو قصد القتال المسؤول عنهُ بعينه للزمهُ(أل التعريف ) )) [4] . غير أنَّ التعبير جاء بتكرار لفظة (قتال) النكرة، من غير مجيء اللام معها، وهو من حقِّ النكرة إذا تكرَّرت. فيكون اللفظ الثاني هو الأول، فحين جاءت مجرَّدة من اللام، كان الثاني غير الأول، ومن ثَمَّ فإنَّ قولهُ، عظُم شأنهُ: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} تنبيه على أنَّ هذا القتالَ الذي يكونُ كبيرًا، ليس هو ذلك القتال الذي سألوا عنهُ، والذي أقدم عليه عبد الله بن جحش، بل هو قتالٌ غرضهُ عزَّة الإسلام ونصره، أمَّا ذاك فغرضُهُ هدمُ الإسلام وتقوية الكفر. فبينَ القتالين فرقٌ، ومن ثَمَّ اختيرَ التنكيرُ في اللفظين [5] . والتعبيرُ القرآني هنا لم يُصرِّح (( بهذا الكلام لئلا تضيقَ قلوبُهم، بل أُبهِمَ الكلامُ بحيثُ يكونُ ظاهرهُ كالموهم لما أرادوا، وباطنهُ يكونُ موافقًا للحقِّ، وهذا إنَّما حصلَ بأن ذكر هذين اللفظين على سبيل التنكير. ولو أنهُ وقع التعبير عنهما، أو عن أحدهما بلفظ التعريف، لبطلت هذه الفائدة الجليلة ) ) [6] .
وقد تمَّ التركيبُ الإسميُّ عند قولهِ {كبير} وهو خبرُ المبتدأ، ثُمَّ أردفهُ بقولهِ: {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ} . و {صدٌّ} هنا ابتداءٌ منقطعٌ مستأنفٌ، و {كُفرٌ بهِ} معطوفٌ على {صدٌّ} متصلٌ بهِ، {والمسجد الحرام} معطوفٌ على {سبيل الله} ، أي: وعن المسجد الحرام، وليس بمعطوفٍ على المجرور في (به) [7] ، فلا يُعطف الظاهر على الضمير المجرور إلاّ بعد إعادة الجار، وهذا رأي البصريين [8] . وقوله {وإخراجُ أهلِهِ منهُ} معطوفٌ على {صدَّ} ، وقيل: إنَّ {صدٌّ} (( عُطِفَ على {كبير} ، {والمسجد} عطف على الهاء في(به) ، فيكون الكلام نسقًا متصلا غير منقطع )) [9] .
(1) التفسير الكبير 6/ 32.
(2) إرشاد العقل السليم لأبي السعود 1/ 254. وينظر: دلالة الجملة الإسمية في القرآن الكريم /136.
(3) البرهان في علوم القرآن 4/ 97.
(4) دلالة الجملة الإسمية في القرآن الكريم /136.
(5) التفسير الكبير 6/ 32 - 33.
(6) التفسير الكبير 6/ 33.
(7) الجامع لأحكام القرآن 3/ 45، والبرهان لابن الزملكاني/ 303.
(8) الإنصاف في مسائل الخلاف 2/ 246.
(9) الجامع لأحكام القرآن 3/ 45.