الصفحة 52 من 342

أمَّا قوله تعالى: {يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [1] .

فقد قيل: إنَّهم (( سألوا عمَّا يُنفقون، فأُجيبوا ببيانِ المصرف؛ تنزيلًا لسؤالهم منزلةَ غيره ) ) [2] . فيكون على هذا القول من الجوابات التي عُدِلَ بها عن السؤال، التي جاءت وفق (الأسلوب الحكيم) . غير أنَّ (( السؤال عن الإنفاقِ يتضمَّنُ السؤالَ عن المنفق عليهِ، فإنَّهم علموا أنَّ الأمر وقع بإنفاق المال فجاء الجواب ببيان كيفية النفقة وعلى من ينفق ) ) [3] . فالتعبيرُ مشعرٌ بأن الجواب جاء مطابقًا لسؤالهم، فهم قد سألوا عمَّا ينفقون، فأُجيبوا عنهُ بقولهِ: {ما أنفقتم من خيرٍ} ، وهو جوابٌ قُرِن بالسؤال [4] ، وقد تضمَّنَ (( بيان ما ينفقونهُ وهو المالُ ) ) [5] .

ولو وقف الجوابُ عند هذا الحدِّ مِنَ التعبيرِ، لما اتضحَ الأمرُ وضوحًا يعلم السائلون من خلالهِ الأحكام الدقيقة لشريعتهم، ومن ثَمَّ (( زاد التعبير على الجواب بيان المصرف ) ) [6] ، وهو قولهُ: {فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [7] فضمَّ إلى الجواب ما يتمُّ بهِ المقصود، وهو بيان المصرف. و (الخيرُ) إنما هو (( المال، وسمِّيَ به، لأن حقَّهُ أن ينفق في وجوههِ ) ) [8] ، التي هي وجوه الحقِّ، وهذا الإنفاق، كما ذكر الرازي (ت606هـ) ، (( لا يكملُ إلا إذا كان مصروفًا إلى جهةِ الاستحقاق؛ فلهذا لما ذكر اللهُ تعالى الجوابَ أردفهُ بذكر المصرف، تكميلا للبيان ) ) [9] ، لا عدولًا عن السؤالِ إلى غيره كما قيل.

ومما يُلحظُ في هذا الجواب البياني أنهُ مصدَّرٌ بالتَّلقينِ: {قُلْ} وبجعلِ الفعل الوارد في السؤالِ بصيغة الماضي {أنفقتم} ، لا بصيغةِ الأمر الدالَّةِ على الوجوبِ والإلزامِ، لأجلِ الترغيب في الإنفاق، والتخيير، وكونه غير ملزمٍ، وأنهُ تطوّعٌ وهو الأظهر، كما ذكر الطبرسي [10] .

ومما يُلحظُ أيضًا أنَّ الجوابَ ذو شقَّين: الأولُ، بيانُ المُنْفَق. والآخرُ، بيان المصرف وهم الذين يُنفقُ عليهم. وقد جاء الأوَّلُ مجملا، والآخر مفصَّلا مصرَّحًا بهِ، لأهميتهِ، لأنَّ اعتداد النفقة تكونُ باعتباره [11] .

(1) سورة البقرة: 215.

(2) البرهان في علوم القرآن 4/ 43.

(3) مجمع البيان 2/ 309 - 310. وينظر أسباب النزول للواحدي /40 - 41.

(4) تفسير المراغي 2/ 129.

(5) لباب التأويل 1/ 152.

(6) التفسير الكبير 6/ 24. وينظر مسائل الرازي وأجوبتها 15 - 16، والبرهان في علوم القرآن 4/ 43.

(7) سورة البقرة: 215.

(8) تفسير المراغي 2/ 129.

(9) التفسير الكبير 6/ 24.

(10) مجمع البيان 2/ 310. وينظر: روح لمعاني 2/ 106.

(11) روح المعاني 2/ 105.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت