وقد وردَ البيان الثاني المفصّل على نسق التوزيع والترتيب في الإنفاق، فبدأ بمَن هم أهمّ للمرء وأقرب، وهم الوالدان، وقد فسَّرهما الطبرسي بأنّهم (( الأبُ والأمُّ والجدّ والجدّة وإن علوا، لأنهم يدخلون في اسم الوالدين ) ) [1] . ثم (الأقربون) وهم (( الأولادُ وأولادهم، ثمَّ الأخوة ) ) [2] ، ثُمَّ {الْيَتامَى} وهم (( كلُّ من لا أب لهُ مع صغره ) ) [3] أو قد يُرادُ بهِ الضعيف من قولِهم: يتُمَ الرَّجُلُ: إذا ضَعُفَ [4] . ثمَّ {الْمَسَاكِيْنَ} ، أي (( الناقصين مالًا ومصرفًا ) ) [5] ، وحاجتُهم أقلّ من حاجةِ اليتامى، ثُمَّ {ابن السبيل} وهو (( المنقطعُ في السفر الذي لا يتصلُ بأهلٍ ولا ولدٍ، كأنَّ السبيل أبوهُ وأمُّه ) ) [6] ووقوعه في الحاجةِ والفقر أقل مِمَّن سبقُوا [7] .
فهذا الترتيب هو الصحيح، وقد جاء على سبيل التفصيل، ثُمَّ إنَّ الله تعالى (( لمَّا فصَّل هذا التفصيل الحسن الكامل أردفهُ بعد ذلكَ بالإجمال، فقال: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} ) ) [8] منبِّهًا بذلكَ على ما يُثيبُ اللهُ بهِ، سبحانهُ، عبادهُ المؤمنين من جزيل الثواب، معبِّرًا عنهُ بالعلم بهِ.
وقد يردُ الجوابُ البياني مجرَّدًا من التلقين، معدولًا به عن السؤال، وفيه شيءٌ من التهديد والوعيد، فيحكي التعبير قولَهم؛ إذ: {يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ} [9] ؟ أي: متى يكونُ الجزاءُ والحسابُ [10] ؟ فيأتيهم الجوابُ مبيِّنًا ما يقعُ في ذلكَ اليوم من عقابٍ مهدِدًا متوعِّدًا إيّاهم، لا مبيِّنًا وقتهُ، لأنَّ ذلك خاصٌّ بعلمِ اللهِ تعالى دون غيرهِ. فقال هنا في هذا السياق: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} [11] ، بنصب (يومَ) بفعلٍ مضمرٍ قُدِّر بقولهم: (( يقعُ الجزاءُ يومَ هم على النار
(1) مجمع البيان 2/ 310.
(2) تفسير المراغي 2/ 129.
(3) مجمع البيان 2/ 310.
(4) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 20/ 69 - 70.
(5) مواهب الرحمن 2/ 374.
(6) معجم ألفاظ القرآن الكريم مجمع اللغة العربية 1/ 129.
(7) التفسير الكبير 6/ 25 - 26.
(8) التفسير الكبير 6/ 26، والآية/215 من سورة البقرة.
(9) سورة الذاريات / 12.
(10) معاني القرآن للأخفش 2/ 484، وإعراب القرآن للنحاس 4/ 237.
(11) سورة الذاريات / 13.