الصفحة 54 من 342

يُفتَنُون )) [1] ، فهوَ اليوم الذي يُحرَّقُون فيه ويُعذّبون بالنار [2] ، وذلك (( يومٌ طويلٌ فيه الحساب، وفيه فتنتُهم على النار ) ) [3] ، وعذابهم بها.

ويُلحظُ أنَّ التعبير الجوابيَّ استعار لعذابِ هؤلاءِ بالنار لفظَ (الفتنة) بقولهِ: {يُفتَنُونَ} ، وهو من (الفَتْنِ) الذي يعني: (( إدخالَ الذهبِ النارَ، لتظهر جودتهُ من رداءته، واستُعمِل في إدخال الإنسان النارَ ) ) [4] . فتحدَّدت دلالتهُ هنا بإدخال الكافرينَ النَّارَ. فيُلمح في هذا الجواب دلالة الوعيد عن السؤال الذي يُرادُ بهِ الكذب والاستبعاد، فضلا عمَّا في الاستعارةِ من التوكيد والمبالغة فيه. وهو بيانٌ لما يتعلَّقُ بالمغيّبات جاء عن طريق هذا الجواب.

ومن جوابات البيان فضلا عما سبق ذكرهُ، ما جاء على سبيل (الفتيا) ؛ لأنَّ مَن أفتى في المسألة فقد بيَّنَ حكمها، فقولهُ جلَّ وعلا: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} [5] ، أي يسألونك الفتوى، ويطلبونها منكَ. فهم قد طلبوا بيان المشكل من الأحكام في (النِّساء) ، وحقهنَّ من الميراثِ وغيره [6] .

فجاء الجوابُ مشاكلا لسؤالهم في لفظ (الإفتاء) ، فقال عزَّ من قائل ملقِّنًا نبيَّه محمّدًا - صلى الله عليه وسلم - بأن الذي يُفتيهم فيهنَّ هو اللهُ تعالى، فقال: {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ الَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا} [7] .

فقولهُ {يُفتيكم} ، أي: يبيِّنُ لكم المُبهمَ من أحوال النساء (( فما كان غير مبيَّنِ الحكم، ذكر أن الله يُفتيهم فيها، وما كان مُبَيَّن الحكم في الآيات المتقدمة، ذكر أنَّ تلك الآيات المتلوَّة تفتيهم فيها ) ) [8] .

وموضعُ (ما) في قولهِ {وما يُتلى} يجوزُ فيها الرفعُ عطفًا على فاعل {يُفتيكم} ، وهو لفظ الجلالة، وقد سوَّغ الفصل بقوله {فيهِنَّ} ذلك. أو تكون (ما) في موضع خفضٍ عطفًا على

(1) إعراب القرآن للنحاس 4/ 237.

(2) الكشاف 4/ 15، صفوة البيان 666.

(3) معاني القرآن للأخفش 2/ 484.

(4) المفردات في غريب القرآن 559 (فتن) . وينظر: صفوة البيان 666.

(5) سورة النساء / 127.

(6) مجمع البيان 3/ 117 - 118، وتفسير الجلالين 124، ومحاسن التأويل 5/ 1585، وصفوة البيان /132.

(7) سورة النساء / 127.

(8) محاسن التأويل 5/ 1586.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت