الصفحة 56 من 342

وقد أوضحَ التعبيرُ الحكم في الكلالة وبيَّنهُ [1] بقولهِ: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَة رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ .. } [2] .

ويُلحظُ في هذا التعبير أنهُ ورد برفع {امرؤ} ورافعهُ عند البصريين [3] فعلٌ مضمرٌ يُفسِّرُهُ ما ذُكِرَ في السِّياقِ بعدهُ، أي إنْ هلك امرؤٌ هلكَ [4] . فيكونُ الجوابُ مشاكلا للسؤالِ في الحذفِ. وهو من باب التّوازن بين التراكيب المترابطة، فالحذفُ في الجواب ورد متوازنًا مع الحذفِ الذي كانَ في السؤالِ، على حين ذهب الكوفيون إلى أنهُ يرتفعُ بما عاد إليه من الفعل دون تقدير فعلٍ، وحمل الأخفش التعبير على ظاهره، إذ جعل الاسم المرفوع، وهو هنا (امرؤٌ) مبتدأ وما بعدهُ خبرٌ له، وهو ما يراهُ دُعاة تيسير النحو في العصر الحديث [5] .

ومعنى (هلك) هنا: مات، وقد سُمِّيَ الموتُ هلاكًا، لأنهُ إعدام في الحقيقة للحياةِ وذهابٌ بها [6] .

ويُلحظُ فيما تقدَّم من الجوابات ونحوها مما هو على شاكلتها، أنّها جواباتٌ ورد التعبيرُ فيها عن السؤالِ، بعبارة (يسألونك) أو (يستفتونك) ، وأنها وردت بالواسطة، لا بحوارٍ مباشر بين السائل والمجيب، وإنما كانوا يسألون الرسولَ صلى اللهُ عليه وآله وسلم، واللهُ سبحانهُ يُجيبُهم بالواسطة من غير ردٍّ مباشرٍ عليهم منه سبحانه.

وهناك جوابات بيانية يكونُ فيها الجوابُ مباشرًا من غير واسطة، إذ يجري بين السائلِ والمُجيبِ تخاطُبٌ ومحادثةٌ مباشرة. ومن هذا اللون من الجوابات، قولهُ تعالى على لسان عيسى، عليه السلام، ممتحنًا (( المؤمنين من قومهِ بالسؤال والتعريفِ عمَّا في اعتقادهم ) ) [7] بعدما استشعر من بعضهم الكفرَ ورغبةَ البقاء في الضَّلالِ [8] : {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} فجاء الجوابُ: {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [9] . فسأل عليه السلامُ

(1) بحر العلوم 2/ 477، ومجمع البيان 3/ 149.

(2) سورة النساء / 176.

(3) الإنصاف 2/ 616.

(4) مجمع البيان 3/ 148، ومدارك التنزيل 1/ 457.

(5) الإنصاف 2/ 615 - 616، نحو التيسير للجواري /59، وفي النحو العربي قواعد وتطبيق للمخزومي / 85 - 86.

(6) لباب التأويل 1/ 457.

(7) مجمع البيان 2/ 447.

(8) عمدة التفسير 2/ 252.

(9) سورة الصف / 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت