الصفحة 57 من 342

عمّن يكونُ لهُ عونًا في نصرةِ دين الله [1] ، فأجابَ الحواريُّون مبيِّنين نُصرتهم لهُ عليه السلام بقولهم {نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} . وقد قيل في معنى الحواريين أقوالٌ، أحدها: إنّ الحواريَّ هو الناصر [2] .

وقد جاء الجوابُ مطابقًا للفظ السؤال، وهو {مَن أنصاري} إذ قالوا: {نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} ، غير أنَّ الإضافة في {أَنْصَارِي} في السؤالِ خلافُ الإضافة في {أنصار الله} في الجواب، لأنَّ (( معنى {نحن أنصار الله} نحنُ الذين ينصرون الله. ومعنى {مَن أنصاري} : من الأنصار الذين يختصمون بي ويكونون معي في نصرة الله ) ) [3] .

ويُلحظُ في هذا الجواب أنَّهم كرَّروا لفظ الجلالة، وفي التكرار توكيدٌ وتوثيقٌ، فأكَّدوا جوابهم بهذا التكرار. ثُمَّ إنهم طلبوا شهادتهُ عليه السلام بقولهم: {وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} ، (( تأكيدًا لإيمانهم؛ لأنَّ الرُّسُلَ يشهدون يوم القيامة لقومهم وعليهم ) ) [4] .

ومن هذا، ما جاء في جوابِ أبناء يعقوب عليه السلام حينما سألهم عن أي شيءٍ بعبدون بعد موته: {إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَاهَكَ وَإِلَهَ ءَابَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَاهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [5] فجاء جوابُهم مصدَّرًا بما هو الأصلُ في جوابِ السؤال وهو (القول) بـ {قَالُوا نَعْبُدُ} ، بإعادةِ الفعل الذي ورد في السؤال، وفي إعادة ذكره تثبيتٌ للجملةِ الجوابيَّة في نفسِ السائل وتوكيدها.

إنَّهم بيَّنوا ما يعبدون بقولهم: {نعْبُدُ إِلَاهَكَ وَإِلَاهَ ءَابَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} بتكرار (( ذكر الإله، لئلا يُعطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار ) ) [6] هذا على قول من لا يُجيز ذلك، وقد صحَّ عطف {إِلَاهَ ءَابَائِكَ} على {إِلَاهَكَ} ، وهو من باب عطف الشيء على نفسه، لوجود شرط زيادة فائدة في المعطوف ليست في المعطوف عليه [7] ، ثُمَّ إنَّ في (( إضافة الإله إلى المتعدد إشارة إلى الاتفاق على وجوده وألوهيته ) ) [8] سبحانه.

وقوله الوارد على سبيل التعداد {إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} ، (( عطف بيان لآبائك ) ) [9] ، وقد ورد بتقديم (إسماعيل) على (إسحاق) ، وهو من باب التقدم في الرُّتبة، لأنهُ ((

(1) مدارك التنزيل 1/ 253، وصفوة البيان /82.

(2) مجمع البيان 10/ 282، وعمدة التفسير 2/ 252.

(3) الكشاف 4/ 101.

(4) مدارك التنزيل 1/ 254.

(5) سورة البقرة / 133.

(6) مدارك التنزيل 1/ 94. وينظر الإنصاف 2/ 246.

(7) معاني النحو 3/ 223.

(8) روح المعاني 1/ 391.

(9) الكشاف 1/ 314، ومدارك التنزيل 1/ 94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت