ومن جوابات البيان ما جاءَ مبيّنا لأمرٍ عُبِّرَ عنهُ بـ (الخَطْب) ، كقولهِ تعالى على لسان موسى عليه السلام حينما ورد ماء مدين {وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَوَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ} [1] أي: (( تطردان أغنامهما عن الماء ) ) [2] ، فسألهما (( شفقةً منهُ عليهما ورقَّةً ) ) [3] : {مَا خَطْبُكُمَا} [4] ، أي: (( ما شأنُكُما، وحقيقتهُ ما مخطوبُكما، أي مطلوبكما من الذياد ) ) [5] ؟ وأصلُ (الخطب) في اللغة (( الأمر العظيمُ الذي يكثُرُ فيهِ التخاطبُ ) ) [6] ، فكان جواب الفتاتين: {لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} [7] ، فبيَّنتا في هذا الجواب سبب ذلك الطرد لأغنامهما عن الماء، بأننا (( امرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدرُ على مساجلة الرجال(*) ومزاحمتهم، فلا بُدَّ لنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا )) [8] منهُ، فلا يسقيان إلاّ ما فضل عن هؤلاء من الماء. فكانتا على الذياد وهم على حالة السّفي [9] ، وهو سقيٌ مصحوبٌ بضجيجٍ يُصدرهُ الرعاءُ وشجارهم، ومن الإبل والأغنام، وبما تثيرهُ من التراب [10] .
فالجوُّ غيرُ مستقرٍّ والقوى غيرُ متكافئة، فماذا يفعلانِ إذن؟ ليس لهما إلا التنحِّي عن السقي {حتى يُصدر الرعاءُ} ، و (الصدرُ) : الرجوعُ عن الشيء والانصراف عنهُ [11] .
وماذا قالتا بعد هذا الصدور عن السّقي؟ {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} فكأنَّهما (( تُجيبانِ عن سؤالٍ يقفزُ إلى الذِّهنِ مباشرةً(أين أبوكما) وهنا وضحت أبعاد المشكلة، الرَّجلُ شيخٌ، والفتاتان ضعيفتان، والأغنامُ عطشى، والرعاء لا يرحمون )) [12] . فجوابهما مع ما فيهِ منَ البيانِ ورد (( تعريضًا للطلب من موسى أن يعينَهما على السَّقيَ ) ) [13] .
(1) سورة القصص / 23.
(2) صفوة البيان /492.
(3) أحكام القرآن لابن العربي 3/ 1453.
(4) سورة القصص/ 23.
(5) الكشاف 3/ 170.
(6) المفردات في غريب القرآن/216 (خطب) ، وصفوة البيان /492، و310.
(7) القصص: 23.
(*) في الأصل (الرجل) والصوابُ ما ذُكِرَ.
(8) الكشاف 3/ 171.
(9) الكشاف 3/ 170 - 171، وأحكام القرآن لابن العربي 3/ 1453.
(10) بلاغة الكلمة والجملة والجمل منير سلطان/220.
(11) صفوة البيان /493 ,
(12) من بلاغة الكلمة والجملة والجمل /220.
(13) مجمع البيان 7/ 248.