ويُلحظُ أنَّ التعبيرَ الجوابيَّ ورد بحذفِ المفعول في {لا نسقي} ، وغرضُ هذا الحذف، أن (( تتوفر العناية على إثبات الفعل لفاعله ) ) [1] ، أي أنهُ أُريد بيانُ حال الفاعل لا بيان حال المفعول [2] ، فيكون مقصود التعبير (( أن يُعلمَ أنهُ كان من الناسِ في تلك الحال سقيٌ، ومن المرأتين ذودٌ ) ) [3] . وقيل: (( إنَّ الفعلَ أو الحدثَ قد تضخَّمَ حتّى غطَّى على مفعولهِ، الذي هو هدفٌ له ) ) [4] ، فحذف من جهةِ اللفظ [5] لا من جهة المعنى؛ لأنهُ قد تمثَّلَ فيما هو موجود من الألفاظ الأخرى [6] في التعبير السابق لهُ. فتقديره: لا نسقي أغنامنا.
ويُلحظُ هنا، أنَّ ورود فعل الذود بصيغة المضارع، وحذف مفعوله، قد لفت البلاغيين، فلم يفتهم ما في ذلك من الدلالةِ على الاستمرار في الذود، وتركيز ذهن السامع عليه، دون الانتقال إلى البحثِ عن المفعول [7] . وصيغةُ الفعلِ وردت مضارعة إذن، لتعلُّقها بالحدثِ، وهو الاستمرار لا بصاحبه، وهو الذائد.
ونحوُ هذا من البيان، قولهُ تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام سائلا الملائكةَ بعدما بشَّروهُ بالولد: {فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ} [8] ، فقد سألهم عن جنسِ خطبِهم، أي (( فما شأنكم الذي أرسِلتم لأجلهِ سوى هذهِ البشارة ) ) [9] . فجاءهُ الجوابُ، مصدّرًا بـ (إنَّ) التي كثيرًا ما يتلقَّى بها الجواب، معيّنًا جنسهم [10] ، فقالوا: {إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إلاَّ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِين إِلاّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ} [11] .
ومن جوابات البيان أيضًا، ما يردُ على سبيل التشويق [12] بأن يتقدَّم (( ذكرُ الشيء على سبيل الإجمال، ثُمَّ توضيحهُ بعد ذلك فيكون أبلغَ مما لو ذكرتهُ مبيَّنًا من أوَّل الأمر ) ) [13] . ومن ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [14] .
(1) دلائل الإعجاز /173.
(2) ظاهرة الحذف في الدرس اللغوي /97.
(3) البرهان لابن الزملكاني / 245، والتبيان لابن الزملكاني /116، والمعاني الثانية في الأسلوب القرآني /114.
(4) بلاغة الكلمة والجملة والجمل /220.
(5) الطِّراز 2/ 104.
(6) بلاغة الكلمة والجملة والجمل /221.
(7) الكشاف 3/ 170 - 171.
(8) سورة الحجر / 57.
(9) صفوة البيان /338.
(10) عروس الأفراح للسبكي (من شروح التلخيص) 2/ 281
(11) سورة الحجر / 58 - 60.
(12) في ظلال القرآن 6/ 3559، ومعجم المصطلحات البلاغية أحمد مطلوب 1/ 189.
(13) التبيان لابن الزملكاني /174.
(14) سورة الصف / 10.