وكأن المخاطبين أجابوا بـ (نَعَمْ) [1] طالبين البيان، فجاءهم البيانُ بقولهِ: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [2] ، فتكون (( الجملة المبيِّنة لسابقتها تُمثِّلُ جوابًا عن سؤالٍ يُفترضُ أن يطرحهُ السامعُ كلَّما تعطَّل الفهمُ، وهذا يرتبطُ بدور اللغةِ القائم على البيان ) ) [3] .
فتعبيرُ {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} وما بعدهُ جواب بياني لاستفهام من متكلم غير قاصد به الاستخبار [4] ، وإنما كان قصدهُ منهُ (( التشويق بانتظار الجواب المرموق. ثم يجيء الجوابُ وقد ترقبتهُ القلوبُ والأسماع {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} وهم مؤمنون بالله ورسوله فتشرق قلوبُهم عند سماع شطر الجواب هذا المتحقق فيهم ) ) [5] ، {وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} وهذا هو القسمُ الآخرُ من البيان، وهو الأمرُ الذي يُرادُ معالجتهُ في هذهِ السورة، والترغيب فيه، لتنهضَ النفسُ البشريَّةُ بهذا التكليف الشّاق. ثُمَّ يعقبُ التعبير على عرضِ هذه التجارة الرابحة التي دلَّهم عليها بالتزيين والتحسين [6] لفاعلها، فقال: {ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .
ويُلحظُ في هذا التعبير الجوابي أنَّ السائلَ والمُجيبَ واحدٌ، وهو المتكلِّم في التعبير. وأنَّ بين سُؤال المتكلمِ وجوابهِ، جوابًا من المخاطب وسؤالًا منهُ، فكأنَّهُ حينما قال مخاطبًا عموم المؤمنين [7] : {هلْ أدُلُّكم} جاء الجوابُ منهم بـ (نعم) ، ثمَّ قالوا: ما هي؟ فقال السائل الأول مجيبًا عن سؤالِهم: {تُؤمِنُونَ باللهِ} . فجاء هذا الجوابُ البياني تركيبًا فعليًّا وقع موقع البيان [8] لما قبلهُ من التعبير السؤالي.
ويُلحظُ أنَّ سؤالَ المُتكلِّم وجوابهُ جاء مُصرّحًا منطوقًا بهما، أمَّا جوابُ المخاطب وسؤالُهُ فقد أُضمرا.
سؤال ــ جواب ــ سؤال ـــ جواب
(1) ... (1) ... (2) ... (2) ... مضمر
(1) تفسير الجلالين /739.
(2) سورة الصف / 11.
(3) نسيج النص الأزهر الزنَّاد / 39.
(4) نفسهُ /41، والجملة العربية دراسة لغوية نحوية محمد إبراهيم عباده /59.
(5) في ظلال القرآن 6/ 3559.
(6) نفسه 6/ 3559.
(7) مجمع البيان 9/ 281.
(8) نسيج النص /41.