ـــ صريح ـــــ
ثُمَّ إنَّ التعبير جعل عمل الإيمان بالله والجهاد (( بمنزلة التجارة؛ لأنَّهم يربحون رضى الله والفوز بالثواب والنجاةِ من العقاب ) ) [1] . فتضمَّنَ الجوابُ أمرينِ: أحدهما الإيمان بالله ورسولهِ، والآخرُ الجهادُ في سبيل الله بالأموال والأنفسِ.
وبيَّنَ السياق بعد ذلك جزاء ذلكَ وهما أمران كذلك، أولهما مرتقبٌ، وهو غفر الذنوب، ودخول جنات عدن وهي الإقامة والبقاء الدائم فيهما {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّتٍ} [2] . والآخرُ عاجلٌ، وهو {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} [3] .
ونحو هذا، قولهُ تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالًا} [4] ؟ فقد جاء الجوابُ من السائلِ نفسهِ مبيِّنًا لهم [5] ما أُبهمَ بقوله: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاوةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [6] ، أي: (( هم الذين ضلَّ سعيُهم ) ) [7] بحذف المبتدأ الذي يغلبُ في جواب الاستفهام [8] ، وهو أبلغُ من الذكر وأفصح [9] ، وقد ورد التعبيرُ بأسلوب
التجسيم* في قوله تعالى: {ضَلَّ سَعْيُهُمْ} حينما جعل السعي شيئًا ضالا كما تضلّ الدابَّةُ، أو الإنسانُ عن طريقه الذي يوصلهُ إلى ما يُريد من مكان ومنزل. وفي قولهِ: {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} وأصلُ الحبوط (( هو انتفاخُ بطن الدابة حين تتغذّى بنوعٍ سامٍّ من الكلأ ثمَّ تلقى حتفها، وهو أنسبُ شيءٍ لوصفِ الأعمال إنها تنتفخُ وأصحابُها يظنونَها صالحة ناجحة رابحة ثمَّ تنتهي إلى البوار ) ) [10] .
(1) مجمع البيان 9/ 281.
(2) سورة الصف / 12.
(3) سورة الصف / 13.
(4) سورة الكهف / 103.
(5) تفسير الجلالين /395.
(6) سورة الكهف / 104 - 105.
(7) الكشاف 2/ 500.
(8) الإتقان 2/ 62، والبلاغة والأسلوبية /243.
(9) دلائل الإعجاز /111، وينظر: المعاني الثانية في الأسلوب القرآني /110، والبيان العربي بدوي طبانة /56، 242.
(10) (*) وهو تجسيم المعنويات المجرَّدة، وإبرازُها أجسامًا أو محسوساتٍ، وهو أسلوب مفضّل في تصوير القرآن. التصوير الفني /63.
في ظلال القرآن 4/ 2295.