ومن ذلك أيضًا قوله تعالى حكاية لدعاء زكريا (عليه السلام) : {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [1] مصدِّرًا قَولَهُ {إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} بأداة التوكيد (إنَّ) الداخلة على كاف الخطاب، وهو في تعليل أبي الثناء الآلوسي [2] (ت 1270 هـ) (( تعليل لما قبله، وتحريك لسلسلة الإجابة ) ). وارد على سبيل الاستئناف، فالجملة الاستئنافية هي التي (( تأتي في أثناء الكلام منقطعة عمَّا قبلها صناعيًّا، لاستئناف كلام جديد فهي لا بد أن يكون قبلها كلام تام، وقد تدخل عليها أحرف الاستئناف كالواو والفاء وثم وحتى الابتدائية وأم المنقطعة وبل ولكن مجردة من الواو العاطفة ) ) [3] . والاستئنافُ نوعان: نحويٌّ وبياني، والأخيرُ هو الذي تكونُ فيهِ الجملةُ جوابًا لسؤالٍ مقدَّرٍ. وكُلُّ استئنافٍ بيانيّ هو نحوي وليس العكس [4] .
ومن هذا القبيل قوله تعالى جوابًا بيانيًا لسؤالٍ مقدر: {يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [5] فصدِّر قولُهُ: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} بحرف التوكيد والإثبات [6] (إنّ) ، جوابًا مؤكدًا، مبيِّنًا علة أمرهم بالتقوى [7] .
فكأنَّ سائلًا سأل فجاء الجواب معللًا (( لموجب الأمر بذكر أمر هائل. فإن ملاحظة عظم ذلك وهوله، يوجب مزيد الاعتناء بملابسته وملازمته لا محالة. والزلزلة: التحريك الشديد والإزعاج العنيف بطريق التكرير بحيث يزيل الأشياء عن مقارَّها ويخرجها عن مراكزها. وإضافتها إلى الساعة إما من إضافة المصدر إلى فاعله، لكن على سبيل المجاز في النسبة ... أو من إضافته إلى المفعول لكن على إجرائه مجرى المفعول به اتساعًا ) ) [8] هكذا حلل أبو الثناء الآلوسي التعبير في الآية.
ومما وقع جوابًا لسؤال مقدَّر عن سبب حكم خاص [9] ، قوله تعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} [10] .
فجاء الجواب مصدَّرًا بـ (إنَّ) أيضًا، تأكيدًا وتحقيقًا [11] لذلك الحكم. فكأن سائلًا قال: (( هل النفس أمارة بالسوء؟ فقيل: إنّ النفس لأمارة بالسوء ) ) [12] .
(1) سورة آل عمران /38.
(2) روح المعاني 3/ 145.
(3) إعراب الجمل وأشباه الجمل د. فحر الدين قباوة /34، والجملة العربية تأليفها وأقسامها /215 - 216.
(4) إعراب الجمل وأشباه الجمل / 41.
(5) سورة الحج /1.
(6) التبيان لابن الزملكاني /61، والمصباح لابن مالك /6.
(7) دلائل الإعجاز /305، أساليب التأكيد في اللغة العربية إلياس ديب /198، من بلاغة القرآن /148.
(8) روح المعاني 17/ 110.
(9) البلاغة فنونها وأفنانها فضل حسن عباس /319.
(10) سورة يوسف /53.
(11) الإتقان 2/ 65.
(12) الإيضاح للقزويني 1/ 155، المعاني في ضوء أساليب القرآن /333، البلاغة والتطبيق أحمد مطلوب، وكامل البصير/158.