وقُدِّر أيضًا - وهو الأرجح فيما يبدو - بقولهم: (( لماذا لا تبرئ نفسك، هل هناك ما يدعو إلى ذلك؟ هل ... . وهنا قد عامل يوسف عليه السلام السائل المتردد بين عدة أقوال مُعاملةَ المُنْكِر قاطعًا، وقدَّم له جملةً مؤكَّدةً بمؤكدين(إنّ واللام ) )) [1] .
فهذا يبدو الأرجح، لأن السؤال إن كان محذوفًا فالأغلب أن يقدر من السياق السابق له، لا من سياق الجواب الذي يرد بعده؛ فإن لم يُعرف من ذلك، فمن قرائن الأحوال، لأن (( الحذف لا بد له من قرينة تدل عليه، وإلا كان الحذف مؤديًا للخلل في المعنى، وهذا تأباه البلاغة ) ) [2] . التي هي سمة التعبير القرآني الكريم، وسرٌّ من أسرار إعجازه.
ويلحظ في هذا التعبير أنه جاء على جهة المجاز في إسناد الأمر والنهي إلى النفس، لأن (( النفس لا يصح أن تأمر على الحقيقة. ولكن الإنسان لما يتبع دواعيها إلى الشهوات، وينقاد بأزمَّتها إلى المقبِّحات، كانت بمنزلة الآمر المطاع، وكان الإنسان بمنزلة السامع المطيع ) ) [3] .
ويُلحظُ ان في قوله: {إنّ النفس} عمومًا دلت عليه (أل) الجنسية التي أفادت عموم النفس هنا، وذلك حينما ذكر الاسم وكرَّره دون المجيء بالضمير، فلم (( يقل(إنها) ، لئلا يفهم تخصص ذلك بنفسه )) [4] . فأفادت العموم لا الخصوص لا كما هي حال (النفس) الأولى التي أضيفت إلى ضمير المتكلم.
وفضلا عن ذلك فإن في إعادة الاسم مظهرًا بعد أن تقدم مظهرًا تعظيمًا وتفخيمًا فكان حقٌّ الاسم الثاني أن يكون (( مضمرًا لتقدم ذكره مظهرًا، لكن إظهارهُ آكدُ في التعظيم والتفخيم ) ) [5] .
وفي وصف النفس بأنها (أمَّارة) دون (آمرة) (( مبالغة في صفتها بكثرة الدفع في المهاوي، والقود إلى المغاوي؛ لأن(فعَّالًا) من أمثلة التكثير، كما أنّ (فاعلًا) من أمثلة التقليل ))كما لاحظ الشريف الرضي [6] (ت406هـ) بحق.
(1) من بلاغة الكلمة والجملة والجمل /133. وينظر البلاغة فنونها وأفنانها /317.
(2) من بلاغة النظم العربي 1/ 229.
(3) تلخيص البيان في مجازات القرآن الشريف الرضي /172 - 173.
(4) الإتقان 2/ 73.
(5) مشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب 2/ 852 - 853.
(6) تلخيص البيان في مجازات القرآن /173.