ونحوه قوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} [1] ، فقوله: {إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} ، (( تعليل مستانف بياني. فهو في المعنى جواب سؤال مقدر تضمنه ما قبله، فكأنهم لما قالوا: {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ} ، قيل: لِمَ فعلتم ذلك؟ فقالوا: {إنه هو البر الرحيم} ، فهو تعليل جملي ) ) [2] .
وقوله عز وجل في سورة يس: {فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [3] ، فقد جيء بقوله: {إنّا نَعْلَم} ، لأجل (( بيان العلَّة والسبب، في أنه لا يحزنه قولهم ) ) [4] . وقيل: هو جواب (( سؤال مقدر، كأنه قيل: يا رب فإذا كان حالهم معك ومع نبيك ذلك، فماذا تصنع لهم؟ فقيل: {إنَّا نَعْلَمُ} ... .، أي نجازيهم بجميع جناياتهم ) ) [5] .
والتعبير على القولين جواب بياني، لأن في التعليل بيان السبب، وفي حال تقدير السؤال كان التعبير بيانًا، لما يصنع الله تعالى بهم، لأنه عالم بما يعملون، فيجازيهم بجميع جناياتهم.
ونحوه [6] قوله عظم شأنه: {يَبُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاوةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [7] .
ونظير ذلك قوله تعالى في سورة الحاقة: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} [8] ، إذ جاء التعبير بعده مبينًا سبب هذا العقاب الذي عوقب به الكافر، وكان سائلًا سأل: (( ما له يعذب هذا العذاب الشديد، فأجيب بذلك ) ) [9] وهو: {إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [10] .
وقد لاحظ الزمخشري أن هذا تعليل على طريق الاستئناف وأنه الأبلغ كأنه قيل: ما له يعذب هذا العذاب فأجيب بذلك [11] ، مبينًا سبب هذا العقاب وعلَّتهُ بأمرين عظيمين:
(1) سورة الطور /28.
(2) شرح التصريح للأزهري 1/ 218، حاشية يس على التصريح 1/ 218، ينظر دلالة الجملة الاسمية في القرآن الكريم /59.
(3) سورة يس /76.
(4) البرهان في علوم القرآن 3/ 96.
(5) روح المعاني 23/ 52.
(6) دلائل الإعجاز /299.
(7) سورة لقمان/ 17.
(8) سورة الحاقة /30 - 32.
(9) الكشاف 4/ 154.
(10) سورة الحاقة /33 - 34.
(11) الكشاف 4/ 154.