وقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [1] .
فقد جاء التعبير معللًا ما صنعوه من التحريف لكتاب الله بعدما بين سبب ذلك بقوله: {لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} . فاللام المقترنة بالفعل المضارع المنصوب لام تعليل [2] . وهي بمعنى (كي) [3] وفي هذا التعبير (( تنبيه على نهاية شقاوتهم؛ لأن العاقل يجب أن لا يرضى بالوزر القليل في الآخرة، لأجل النفع الحقير في الدنيا، فكيف يليق به أن يرضى بالعقاب العظيم في الآخرة، لأجل النفع الحقير في الدنيا ) ) [4] . فاللام في {لِيَشْتَرُوا} متعلقة بيقولون [5] .
وقد ذكر (الاشتراء) في التعبير توسعًا [6] .
ويلحظ أن التعبير الجوابي التعليلي جاء مسبوقًا ومتبوعًا بتهديد ووعيد دلت عليه لفظة (الويل) ، التي جاءت مكرَّرَةً في السياقِ.
(ج) (كي) :
أما التعليل بـ (كي) التي تفيد الغرض والسببية، فيكون منها (( أحد المركبين علة للآخر، أو سببًا له ) ) [7] . أي إن التعبير المصدر بها يكون جوابًا لسؤال سائل يُقدَّر بقولهم: (( لِمَ فعلت كذا؟ فتقول: كي يكون كذا، وهي للعاقبة كاللام ) ) [8] .
ومِمَّا ورد التعبير القرآني فيه بيانًا للغرض بـ (كي) ، وكشفًا عن السبب قوله تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [9] والدولة هنا تداول المال، وذلك (( أن يكون ذلك المال مرَّة لهذا ومرَّة لهذا ) ) [10] .
وقد جاء التعبير الجوابي مصدرًا بـ (كي) ، مبيِّنًا علةَ هذا التقسيم، فقد (( علل سبحانه قسمة الفيء بين هذه الأصناف كيلا يتداوله الأغنياء دون الفقراء ) ) [11] . ويلحظ أنه فُصِلَ بين (كي) ومعمولها (يكون) بـ (لا) وهو فصل جائز [12] .
وقد يرد التعبير معللًا، ومبينًا السبب في الأمر، مع عدم الحاجة إلى ذلك التعليل والبيان، لعلم المخاطب به، كما في قوله عظم شأنه على لسان موسى عليه السلام: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا} [13] فقد جاء التعبير المصدر بـ (كي) مُعلِّلا سبب ذلك؛ إذ (( بيَّن عليه السلام أنه إنّما سأل هذه الحاجات، ليتوصل بها إلى طاعة ربِّه وعبادته وتأدية رسالته لا للرياسة ) ) [14] .
(د) المفعول لهُ:
وهو الذي يردُ بالباءِ مع مجرورِها أو بـ (مِنْ) مع مجرورِها أو بمصادرَ منصوبةٍ، والمفعول لهُ، إنَّما هو (( عذرٌ وعلَّةٌ لوقوعِ الفعلِ، ويسمّى غرض الفاعل، ويعتبرُ بأنهُ يقعُ جوابًا لِمن قالَ: لِمَ فعلتَ كذا ) ) [15]
وأما التعليل بـ (الباء) مع مجرورها، فنحو قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} [16] .
فالباء في قوله {فَبِظُلْمٍ} و {بِصَدِهِم} سببية [17] ، وقد قامت مقام اللام في التعليل [18] ، ووقعت مع مجرورها مفعولًا له [19] .
وقوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا ... وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [20] .
فقوله {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ} وما بعده، جواب وقع مصدّرًا بالإشارة البعيدة؛ احتقارًا لشأنهم، بعد أن حقَّرَهم بجعل الذلة والمسكنة بالتأنيث، كأنها (( محيطة بهم مشتملة عليهم
(1) سورة البقرة /79.
(2) إعراب القرآن للكرباسي 4/ 181.
(3) معاني القرآن للأخفش 1/ 300.
(4) التفسير الكبير 3/ 156.
(5) التبيان في إعراب القرآن 1/ 81.
(6) مجمع البيان 1/ 146.
(7) الجملة العربية دراسة لغوية نحوية /159، النحو الوافي 4/ 230.
(8) معاني النحو 3/ 157.
(9) سورة الحشر /7.
(10) معاني القرآن للأخفش 2/ 497.
(11) البرهان في علوم القرآن 3/ 94.
(12) المدارس النحوية /182.
(13) سورة طه /29 - 34.
(14) مجمع البيان 7/ 9.
(15) المرتجل لابن الخشاب / 158. ينظر الكتاب 1/ 369، وشرح اللمع 1/ 126 - 127.
(16) سورة النساء /160.
(17) تفسير الجلالين /130.
(18) شرح اللمع 1/ 127.
(19) المرتجل /159.
(20) سورة آل عمران /112.