الصفحة 74 من 342

ومن ذلك أيضًا ما جاء جوابًا لسؤال مقدر ورد مُصدَّرًا بمفعول له، قوله عظم شأنه: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي ءَاذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْت} [1] ، فقوله تعالى: {مِنَ الصَّوَاعِقِ} و {حَذَرَ} وقعا مفعولًا لأجله [2] وهما جوابان لسؤالين مقدَّرَينِ، الأول: لِمَ يجعلون أصابعهم في آذانهم؟ فقيل: من الصواعق. والآخر: لِمَ يخافون من الصواعق؟ فقيل: حَذَرَ الموت [3] ، والمعنى: (( يفعلون ذلك لحذر الموت ) ) [4] ، وكأنَّ سائلًا سأل لِمَ فعلوا ذلك، أو لأي علة فعلوا ذلك، فورد الجواب مصدَّرًا بـ (مِنْ) مع مجرورِها وأردِفَ بالمصدر المنتصب الذي كان عذرًا لهذا الأمر الذي صدر منهم وهو جعل أناملهم في آذانهم.

ونحو ذلك ما وردَ على سبيلِ الازدواجيةِ في التعليلِ، قولُهُ عظم شأنه: {تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} [5] ، فكأن سائلًا سأل: (( لِمَ فاضت أعينهم من الدمع؟ قيل: للحزن، فقيل: لِمَ حَزَنوا؟ فقيل: لئلا يجدوا ) ) [6] . ومعناه أنهم لم يجدوا ما ينفقون ففاضت لذلك أعينُهم من الدمع.

(2) بيان لسؤال مقدَّر بغير علَّة:

أما ما جاء بيانًا لسؤال مقدَّر بغير علَّة، فكقوله عظم شأنه: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} [7] ، فقد جاء بيان هذا المثل بقوله تعالى: {مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا} [8] ، فهذا التعبير (( بيان للمثل، وهو استئناف كأن قائلًا قال: كيف كان ذلك المثل؟ فقيل: مستهم البأساء، أي البؤس ) ) [9] .

وقوله تعالى: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} [10] ، فهذا تعبير قد تضمن سؤالًا وقع ما بعده من السياق جوابًا له، فقد أوضح سبب عدم استواء المنزلتين بقوله: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ

(1) سورة البقرة /19.

(2) الكشاف 1/ 218، ومجمع البيان 1/ 57، والبرهان في علوم القرآن 3/ 95، ومشكل إعراب القرآن 1/ 81.

(3) البرهان في علوم القرآن 3/ 95.

(4) مجمع البيان 1/ 57.

(5) سورة التوبة /92.

(6) البرهان في علوم القرآن 3/ 97.

(7) سورة البقرة /214.

(8) سورة البقرة /214.

(9) مدارك التنزيل 1/ 152.

(10) سورة النساء /95.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت