يلبث أن عاجلهم بهذا الاستفهام التهويلي التجهيلي: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ} [1] ، أي ذلك ما لم تكن تعلمه أنت يا محمد ولا قومك [2] ، والخطاب وإن كان للرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا أن المراد به أمته أيضًا. ثم يأتي تفسير [3] ما عُظِّمَ بقوله: {كِتَبٌ مَّرْقُومٌ} [4] ، و (الرقم) يعني: (( الخط الغليظ، وقيل: هو تعجيم الكتاب ) ) [5] . أي وضع النقاط عليه، أي إنه (( كتاب تُرقَمُ به أعمال الأشرار ) ) [6] فهو كتاب (( مسطور بيِّن الكتابة، أو مُعَلَّمٌ يعلم مَنُ رآه أنه لا خير فيه ) ) [7] ، لأنه قد جمع أعمال الشياطين والكفرة [8] . وسمِّي هذا الكتاب باسم (سجيِّن) من السجن، وهو (( اسم لجهنم ) ) [9] ، لأنه سبب الحبس والتضييق فيها )) [10] .
وقد تبع هذا الجواب التفسيري تهديد لِمَن كذّب بالبعث والجزاء، فقال تعالى مهدِّدًا: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [11] .
ويلحظ أن هذا التفسير ورد جملة اسمية، مكوَّنة من خبر حُذِفَ مبتدؤه، ووصف للخبر {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ} ، وفي هذا من الإيجاز ما فيه.
ونحو ذلك قوله تعالى: {كَلا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَبٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} [12] . فقد فُسِّرَ قوله {عِلِّيُّونَ} الوارد على المبالغة في الوصف، إذ هو جمع عليّ الذي وزنه فِعّيل [13] بقوله: {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ} ، أي هو كتاب (( مكتوب لهم بالخيرات ) ) [14] . ثم ذكر متابعات وصفات، تزيد من تعظيم هذا الكتاب، فهو كتاب {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} ، أي (( الملائكة الذين في عِلِّيِّينَ ) ) [15] . وهذا البيان المردَف للجواب التفسيري، جاء جملة فعلية فعلها مضارع، وقد وقع (( صفة أُخرى لكتاب، أي
(1) سورة المطففين /8.
(2) مجمع البيان 10/ 453، والجامع لأحكام القرآن 19/ 258.
(3) الكشاف 4/ 231، ومجمع البيان 10/ 453، والجامع لأحكام القرآن 19/ 258.
(4) سورة المطففين /9.
(5) المفردات في غريب القرآن /292 (رقم) .
(6) فقه اللغة الثعالبي /396.
(7) الكشاف 4/ 231. وينظر صفوة البيان /791، وألفاظ غريب القرآن الكريم دراسة دلالية /40.
(8) تفسير الجلالين /797.
(9) المفردات في غريب القرآن /330 (سجن) .
(10) الكشاف 4/ 231.
(11) سورة المطففين /10.
(12) سورة المطففين 18 - 20.
(13) التحرير والتنوير 30/ 203.
(14) مجمع البيان 10/ 455.
(15) نفسه 10/ 456. وينظر روح المعاني 30/ 74.