فقد كان قوله: {يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [1] تفسيرًا لليوم الأول، أي: هو يوم لا تملك [2] نفس لنفسٍ شيئًا، والمعنى: (( لا يملك أحد الدفاع عن غيره ممن يستحق العقاب، كما يملك كثير من الناس في دار الدنيا ذلك ) ) [3] ، إذ الأمر إذ ذاك لله وحده سبحانه.
ومما تولى القرآن الكريم تفسيره في السياق، قوله تعالى: {فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ} [4] . فقد جاء هذا التعبير الاستفهامي على جهة التعجيب [5] . والتهويل، ثم جاء الجواب بعده مباشرة.
وقد اختلف المفسرون [6] في معنى (العقبة) ، فمنهم من قال: إنها مجاهدة الإنسان نفسه، وقيل: عقبة - والله - شديدة، وقيل: جهنم أو جبل فيها.
ثم يرد التعبير مفسِّرًا اقتحام هذه العقبة ومبيِّنًا سببَ جوازِها [7] بقوله: {فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} [8] ، أي: (( العقبة فك رقبة أو إطعام ) ) [9] ، وفكها يعني: عتقها وتخليصها من الرق وغيره [10] وقوله: {ذي مَسغَبةٍ} ، يعني يوم ذي مجاعة [11] ، فأطلق اليوم، دون أن يراد به التخصيص بل يراد به العموم، أي: في يوم من الأيام، تكون فيه حاجة إلى الطعام شديدة. وقد وصف اليوم بالسَّغبِ مجازًا، كما تقولُ العربُ: ليلٌ نائمٌ، أي ذو نومٍ، ونهارٌ صائمٌ، أي ذو صومٍ [12] .
ثم جاء التعبير مخصِّصًا هذا الإطعام، فقال: يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا
(1) سورة الانفطار /19.
(2) معاني القرآن للأخفش 2/ 531.
(3) مجمع البيان 10/ 450.
(4) سورة البلد /11 - 12.
(5) إعراب ثلاثين سورة /90.
(6) الكشاف 4/ 256، ومجمع البيان 10/ 495، والتفسير البياني 1/ 175.
(7) الكشاف 4/ 256، تفسير الجلالين /808، تلخيص البيان في مجازات القرآن /397، وروح المعاني 30/ 137.
(8) سورة البلد /13 - 14.
(9) معاني القرآن للأخفش 2/ 538. وينظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج 5/ 329.
(10) تفسير غريب القرآن /528، الكشاف 4/ 256، مجمع البيان 10/ 495.
(11) مجمع البيان 10/ 495.
(12) روح المعاني 30/ 138.