مَتْرَبَةٍ [1] ، بنصب (اليتيم) بالإطعام [2] . أي إطعام اليتيم واليتيمُ قد يُرادُ بهِ الضَّعيفُ من قولِهم: يَتُمَ الرَّجُلُ يُتْمًا: إذا ضَعُفَ. وقيلَ: اليتيمُ مَنْ ماتَ أبواهُ [3] ، وكذلك إطعام الفقير الذي ضره الفقر حتى لصق بالتراب من شدته [4] . وهي صورة معبِّرة عن فرط الحاجة بأبلغ تعبير وأروعه. ثم ماذا بعد ذلك الفك والإطعام من أسباب اقتحام العقبة؟ إنه أمر معنوي، ذو ثلاث ركائز: يشد بعضه بعضًا، وقد رتبت حسب أهميتها وأولويتها، وهي الإيمان، والتواصي بالصبر، والتواصي بالرحمة على عبادِ اللهِ تعالى، أو بما يؤدي إلى رحمةِ اللهِ تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} [5] .
فوقت الاقتحام [6] كان من هؤلاء الموصوفين بالإيمان والصبر والرحمة. وقد أشار التعبير إليهم بقوله تعالى: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} [7] ، معظِّمًا شأنهم بهذه الإشارة البعيدة - مع قرب المُشار إليهِ- الدالّةِ على علوِّ منزِلَتِهم وتكريمِهم، كما قال تعالى في أول سورة البقرة في تعظيم القرآن {ذَالِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ} [8] .
فهذا التعبير الوارد على نسق التعديد والتقسيم هو تفسير و (( بيان مفصّل للعقبة التي لم يقتحمها الإنسان مع ما تهيأ له من وسائل المكابدة والنضال، والإدراك والتمييز ) ) [9] .
ومن هذا الوادي ما ورد في قوله تعالى في معرض القسم: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ} [10] . فالطارق في اللغة واستعمال العرب قبل نزول القرآن، هو: (( اسم يقع على كل ما طرق ليلا، ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يدري ما المراد به لو لم يبينه السياق بقوله: {النَّجْمُ الثَّاقِبُ} ، أي هو الكوكب المضيء ... . ) ) [11] .
(1) سورة البلد /15 - 16.
(2) معاني القرآن للأخفش 2/ 538.
(3) الجامع لأحكام القرآن 20/ 69 - 70.
(4) الكشاف 4/ 256 - 257، ومجمع البيان 10/ 495، تفسير الجلالين 809.
(5) سورة البلد /17.
(6) تفسير الجلالين /809.
(7) سورة البلد /18.
(8) سورة البقرة /2.
(9) التفسير البياني 1/ 176.
(10) سورة الطارق /1 - 2.
(11) مجمع البيان 10/ 471.