الصفحة 88 من 342

وبعد عجز الملأ عن تفسير رؤيا الملك، بقولهم: {قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ} [1] ، أي إنّ ما تقوله من هذه الرؤيا، إنّما هو (( تخاليط أحلام ومنامات باطلة ) ) [2] . وهو مما لا تأويل له من الرؤيا [3] ولا تفسير، استنجدوا بيوسف عليه السلام في تفسير الرؤيا، فقال في جوابه [4] الذي فيه التأويل: {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَالِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَالِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} [5] . فكان جوابه في تفسير رؤيا الملك (( معبرًا ومعلمًا، أما البقرات السبع العجاف والسنابل السبع اليابسات: فالسنون الجدبة، وأما السبع السمان والسنابل السبع الخضر: فإنهن سبع سنين مخصبات ذوات نعمة وأنتم تزرعون فيها ) ) [6] . فهذا جواب تفسيري ورد مُفصَّلا، مصدرًا بالقول المسند إلى المفرد الغائب العائد على يوسف عليه السلام، وقد جاء التفصيل بالفعل الدال على الحدث المستقبل {تَزْرَعُوْنَ} . والمراد بالسبع حقيقة العدد، ودأبًا من الدأب والجدَّةِ في الشيءِ، ويعني: (( العادة المستمرة دائمًا على حالةٍ ) ) [7] .

ويُلحظُ في قولهِ تعالى: {فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ} اعتراضٌ ورد لغرضِ الاهتمامِ منهُ عليه السلام بشأنِ المخاطبين قبل تتميمِ التأويل، وفيهِ ما يؤكِّدُ أمر السَّابقِ واللاحق كأنَّهُ قد كان [8] .

ومما يُلحظُ أيضًا أن التعبيرَ المُفسِّرَ ورد بإسنادِ فعلِ الأكل إلى السنين، مع أنهُ حال الناسِ فيهنَّ، وهو من بابِ الإسناد المجازي [9] .

فضلا عن أنَّ التفخيم في قولهِ {مِنْ بعْدِ ذَلِكَ} ، أي من بعد السنين، فلم يقل من بعدهنّ، (( قصدًا إلى تفخيمِ شأنِهِنَّ ) ) [10] . والإيجاز في قولهِ {سَبْعٌ شِدَادٌ} أي (( سبعُ سنين صعاب على النَّاسِ، وحذف التمييز لدلالةِ الأول عليهِ ) ) [11] ، فقد أعلمهم عليه السلام ما يجري من الأحداث.

(1) سورة يوسف /44.

(2) صفوة البيان /309.

(3) مجاز القرآن 1/ 312، وغريب القرآن /183.

(4) مسائل في تأويل الأحاديث وآيات السائلين /153.

(5) سورة يوسف 47 - 49.

(6) مجمع البيان 5/ 238.

(7) المفردات في غريب القرآن /251 (دأب) .

(8) روح المعاني 12/ 255.

(9) تفسير غريب القرآن/ 218، وروح المعاني 12/ 255.

(10) روح المعاني 12/ 255.

(11) نفسه 12/ 255.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت