الصفحة 89 من 342

وبهذا التأويل الكاشف عن الأحداث المستقبلة التي وردت في الرؤيا أرتقى يوسف عليه السلام إلى منزلة اجتماعية رفيعة، وقد تجلى ذلك بقول الملك: {إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} [1] وكانت معجزة هذا التأويل من دلائل نبوّته [2] عليه السلامُ.

ونحو هذا ما جاء في تفسير يوسف عليه السلام لرؤيا الفتيين اللذين كانا معه في السجن، فقد {قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [3] .

وفسَّر يوسفُ عليه السلام ما سألا عنه بقولهم {نَبِئِنا} ، بقوله: {يَاصَحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} [4] ، أي اتضح وانتهى الأمر الذي طلبتما فيه الفتيا والجواب.

ويلحظ في تعبير الجواب أنه ورد على سبيل التقسيم [5] مصدرًا بـ (أمّا) مفسِّرًا لهم ما طلبوا تأويله.

ويلحظ أن هذين التعبيرين الجوابيين صَدَرا من مجيب واحد، هو يوسف عليه السلام. أما السائلون فاختلفا، ففي الأول كان طلب الفتيا من الملك، وفي الآخر من فتيين كانا معه في السجن، لذا كان جوابه في الآخر مصدرًا بنِدائِهما. في حين أن الأول صُدِّر بالقول، وهو المتعارف عليه في الجوابات.

(ب) التفسير لسؤال مقدَّر:

وفضلًا عمّا ذكر من جوابات التفسير، هناك نوع منها يرد التعبير فيه مفسّرًا، لا لسؤال صريح ظاهر، وإنما لسؤال يُقدر من السياق، كقوله عظم شأنه: {كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [6] . فقوله تعالى: {كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} (( تفسير لدأبهم ممَّا فعلوا أو فُعِلَ بهم على أنه جواب سؤال مقدَّر عن حالهم ) ) [7] . وقد ورد الجوابُ بأسلوبٍ خبريٍّ بصيغةِ الماضي المجرَّدِ مِنَ التوكيدِ.

(1) سورة يوسف /54.

(2) جدلية القرآن خليل أحمد /175.

(3) سورة يوسف /36.

(4) سورة يوسف /41.

(5) التقسيم: (( هو أن تذكر شيئًا ذا جزأين أو أكثر ثم تضيف إلى كل واحد من أجزائه ما هو له عندك ) ). مفتاح العلوم /201. معجم المصطلحات البلاغية 2/ 331. وينظر جواهر البلاغة /378.

(6) سورة آل عمران /11.

(7) الكشاف 1/ 414، مدارك التنزيل 1/ 233. وينظر التفسير الكبير 3/ 77.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت