الصفحة 91 من 342

وقد يرد الجواب بتركيب فعلي مثبت كما في قوله عظم شأنه: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} [1] فقد فسِّر [2] هذا السوم بقوله تعالى: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} [3] . وهو تفسير ورد بجملة فعلية مضارعة دالة على الحدوث والاستمرار في الذبح والاستحياء المتقابلين تقابل ضد ونقيض، إذ الذبح المراد به هنا هو قتلهم وإماتتهم وهو نقيض الاستحياء الذي نسب إلى فرعون وملئه؛ لأنهم كانوا يبقون النساء أحياءً.

ونحو هذا تفسير الهلع في قولهِ تعالى: {إِنَّ الإنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} [4] ، فقد فُسِّر [5] الهلعُ بقولهِ تعالى: {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [6] ، وهو تعبيرٌ شرطيٌّ، ورد متصلا بسياقِ الخبرِ قبلهُ. وورد على سبيلِ التقابلِ الخلافي بينَ (الشرِّ) و (الخير) مع ما يُلمحُ فيهِ من اتساقِ الروي اتساقًا يسترعي الأسماعَ، وذلكَ في قولهِ {جَزُوْعًا} و {مَنُوْعًا} الوارد على سبيل المبالغة في الوصفِ.

ونحو هذا قوله عظم شأنه: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} [7] .

فقد ورد تفسير [8] الظنّ، بقوله عزَّ وعلا: {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} [9] وهو تعبير فعلي مثبت مصدر بالقول ثم السؤال الدال على طلب العلم بشيء وإن كان قليلا دلت عليه (مِن) البعضية.

ونحو ذلك، قوله تعالى: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ} [10] . فقد ورد تفسير [11] ما أخفوه في أنفسهم، بقوله تعالى: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} [12] . والقتلُ هنا قد يُرادُ بهِ الغلبة، (( لأنَّ القائلينَ ليسُوا ممَّن قتل لاستحالتِهِ، ويحتمل أن يكونَ الإسنادُ مجازيًّا بإسنادِ ما للبعضِ للكلِّ، فالمعنى: لو كان لنا شيءٌ من ذلكَ ما قُتل من قُتلَ في هذهِ المعركة ) ) [13]

ونحو هذا قوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَالِكَ الأَمْرَ} [14] ثم قام بتفسير [15] (الأمر) المبهم بقوله: {أَنَّ دَابِرَ هَاؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ} [16] . وفي إبهام الأمر أولًا ثم (( تفسيره بعد ذلك تفخيم للأمر، وتعظيم لشأنه؛ فإنه لو قال وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع لما كان بهذه المكانة من الفخامة، فإن الإبهام أولًا يوقع السامع في حيرة وتفكُّرٍ واستعظام لما قَرَع سمعه، وتشوق إلى معرفته والاطلاع على كُنْهه ) ) [17] ، أي إن لفظة (الأمر) أُبهمت ثم فُسِّرت، تهويلًا لأمر العذاب [18] الذي سيقع عليهم.

ونحو هذا من الإبهام ثم الإيضاح والتفسير قوله عظم شأنه: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا} [19] . فهذا المثل قد ورد (( مبهمًا ثم فسَّرهُ بما جاء بعده، ليثير تطلع النفس إلى معرفة المراد ويشوقها إليه ) ) [20] .

ونحو هذا قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [21] فقد فُسِّر [22] مثل آدم بقوله {خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} . وهو تعبيرٌ خبريٌّ ورد مُفسِّرًا لتعبيرٍ خبري قبلهُ في السِّياقِ وقد وردَ بصيغةِ الماضي الدَّال على وُقُوعِ الخلقِ منَ التُّرابِ وانقضائه.

ويلحظ أنّ هذا التعبير المفسّر ورد على جهة (( تشبيه الغريب بالأغرب؛ لأن خلق آدم أغرب من خلق عيسى؛ ليكون أقطع للخصم، وأوقع في النفس ) ) [23] .

ونحوه قوله عز من قائل: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ} [24] ، ثم قال مفسّرًا [25] ذلك المثل: {يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [26] ، أي إنه يحمل كتب العلم والمنفعة، من

(1) سورة البقرة /49.

(2) البرهان في علوم القرآن 3/ 37.

(3) سورة البقرة /49.

(4) سورة المعارج /19.

(5) الكشاف 4/ 158، البرهان في علوم القرآن 2/ 186.

(6) سورة المعارج / 20 - 21.

(7) سورة آل عمران /154.

(8) مجمع البيان 2/ 523.

(9) سورة آل عمران /154.

(10) سورة آل عمران /154.

(11) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/ 418.

(12) سورة آل عمران /154.

(13) روح المعاني 4/ 96.

(14) سورة الحجر /66.

(15) المثل السائر لابن الأثير 2/ 27.

(16) سورة الحجر /66.

(17) المثل السائر 2/ 27، وينظر دراسات في البلاغة عند ضياء الدين ابن الأثير عبد الواحد الشيخ/138.

(18) دراسات في البلاغة عند ضياء الدين بن الأثير /138.

(19) سورة التحريم /10.

(20) أسلوب الدعوة القرآنية عبد الغني بركة /329.

(21) سورة آل عمران /59.

(22) إعراب الجُمل وأشباه الجمل /90.

(23) البرهان في علوم القرآن 3/ 426.

(24) سورة الجمعة /5.

(25) معاني القرآن للفراء 1/ 219.

(26) سورة الجمعة /5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت