فهرس الكتاب
فكيف يزعم هذا الموسوي بعد كل هذا أن أهل السنة احتجّوا به؟! نعم قال الذهبي: إن النسائي -وحده- قد احتج به، وهو قول مردود على الذهبي- رحمه الله- لم يوفق فيه للصواب، كما بينه الحافظ ابن حجر في التهذيب، إذ قال عقب إيراده كلام الذهبي هذا: (قلت: لم يحتج به النسائي، وإنما أخرج له في السنن حديثًا واحدًا مقرونًا بابن ميسرة، وآخر في اليوم والليلة متابعة، هذا جميع ماله عنده) اهـ. ثم ردّ الحافظ أيضًا على من زعم أن ابن حبان احتجّ بالحارث الأعور هذا، وبين أنه لا يصح ذلك. والنسائي قد سبق قوله في تضعيف الحارث هذا، فكيف يحتج به؟ وإنما له في المتابعات والشواهد كما قال الحافظ، وأيضًا ليس ذلك كثيرًا بل في حديثين فقط.
بقي من كلام هذا الموسوي ما ذكره من تكذيب إبراهيم النخعي للشعبي نقلًا من كتاب (جامع بيان العلم وفضله) لابن عبد البر، وابتداءً نقول: إنّ إبراهيم النخعي نفسه قد كذّب الحارث الأعور ووافق الشعبي في ذلك، فيما ساقه الذهبي وابن حجر، ورواه مسلم في مقدمة صحيحه، ونقلناه سابقًا عند ذكر من كذّب الحارث الأعور هذا. وتكذيب إبراهيم النخعي للشعبي مردود ولا ينظر إليه، فهو من كلام الأقران بعضهم في بعض، وللشعبي كلام يشبهه أيضًا في إبراهيم النخعي، وقدح كل منهما في الآخر غير معتبر ولا قائم. ألا ترى أن عبد البر نفسه قد جعل ذلك كله في (باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض) وقال عقب سرده لتلك الأقوال (2/157-158) : (وهذا مما ذكرنا مما لا يسمع من قولهم ولا يلتفت إليه ولا يعرج عليه) اهـ. وهذا كله بخلاف تكذيب الشعبي للحارث الأعور هذا، فإنّه معتبر مأخوذ به، ولم يرده أحد من أهل العلم بالجرح والتعديل، ودعوى ابن عبد البر بمعاقبة الشعبي لتكذيبه للحارث مردودة لا دليل عليها، فإبراهيم نفسه قد كذّب الحارث كما قلنا، ويلزم من ذلك أن يعاقب عليه، وكذلك كل من كذّب الحارث ممن ذكرناهم أولًا، وهو أمر باطل لا يقوله عالم، بخلاف موافقة الكثيرين للشعبي في تكذيبه الحارث الأعور ورد حديثه. ومن تساهل منهم اكتفى بتضعيفه مع الالتزام بردّ حديثه، وما يروى أن ابن معين قال عن الحارث: ثقة. فهو لا يتابع عليه، قال عثمان الدارمي: ليس يتابع ابن معين على هذا اهـ. ويبدو أن ابن معين قد وثق الحارث هذا أولًا قبل علمه بحاله، ثم لما تبين له أمره ضعفه. كما نقله رواية عن ابن معين الذهبي في (الميزان) وذكرناه سابقًا. وهو أمر وافق عليه ابن معين باقي أهل العلم بتضعيف الحارث الأعور، ومن ثم قال النووي في (شرحه لصحيح مسلم) (1/98) عن الحارث الأعور: متفق على ضعفه اهـ. ومع كل ما تقدم أيضًا فقد روى الحارث عن علي رضي الله عنه عن النبي صَلّى الله عليه وسلّم قال: (أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، ما خلا النبيين والمرسلين) أخرجه الترمذي (4/310) وابن ماجة (95) ، وهو شوكة في أعين الرافضة. وأهل السنة يصح عندهم هذا الحديث، لا بالحارث فهو ضعيف متهم، بل لطرقه الأخرى ولله الحمد.
(20) حبيب بن أبي ثابت: لم يدع أحد أنه من رجال الشيعة سوى ابن قتيبة والشهرستاني، وقد قدمنا حالهما إذا انفردا في ذلك، ومع ذلك فليس عنده من الغلو ما ينكر.
وأما قول هذا الموسوي: وقد تكلم فيه الدولابي لمجرد تشيعه، فهو قول باطل واتهام للدولابي دون علم ومعرفة، وانظر كتاب (الكنى والأسماء) للدولابي (2/165، 166) ففيه ذكر حبيب هذا، لكن ضعفه الدولابي لكلام ابن عون فيه، إذ قال فيه ابن عون: كان أعور، ولم يرد بذلك تضعيفه بل وصفه، وقد بينه الذهبي في (الميزان) بأن هذا وصف لا جرح، لكن الدولابي فهم منه معنى الجرح فأورده. وأوهى من ذلك أن ادعى هذا الموسوي تضعيف ابن عون لحبيب هذا بهذا الوصف، فأخذ يرد عليه بما لا حاجة له به، فابن عون لم يجرحه بل وصفه، وبين ذلك الذهبي نفسه في (الميزان) ، الذي نقل منه هذا الموسوي ثم ادعى أنه هو الذي رد على ابن عون ذلك، فهو متشبه بما لم يعط، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
(21) الحسن بن حيّ، واسم حيّ صالح: ثقة فقيه عابد. وتشيعه ليس من الغلو في شيء، فهو من نوع البدعة الصغرى التي نبهنا عليها مرارًا. وقد ذكره الذهبي في (الميزان) فقال: (فيه بدعة تشيع قليل) ، ونقل عبارة الذهبي هذه الموسوي لكنّه حذف منها (قليل) محاولًا الإيهام بغلوه، فلعنة الله على الكاذبين والمحرفين.
أما الحسن بن صالح هذا فتشيعه قليل ولا يرد به حديثه، ولم يكن بالتأكيد من الذين يسبون الصحابة أو يبغضونهم. ثم نقول: ما بال هذا الموسوي هنا يحتج بتوثيق ابن سعد للحسن بن صالح؟ ألم يطعن بابن سعد قبل قليل ويدع أنه مجاف للشيعة ورجالهم؟ فما بال ابن سعد -إن كان كما يزعم هذا الموسوي- يوثق الحسن بن صالح هذا ثم يستشهد بتوثيقه هذا الموسوي؟ ولو كان ابن سعد كما وصفه هذا الموسوي في ترجمة الحارث الأعور- زورًا وبهتانًا- لضعف الحسن بن صالح هذا لأجل تشيعه.