فهرس الكتاب
وقد أشار هذا الموسوي في ترجمة حمران هذا إلى أخيه زرارة بن أعين، وعده في المكانة عندهم كأخيه سواء، وإنما لم يذكره في هذه التراجم في مكانه حتى لا يفتضح، فزرارة هذا عنده من الكذب الذي سنبينه ما يسقط الاحتجاج به عند أهل العلم، ثم ليس له رواية أصلًا عند أهل السنة، وهو في الأصل مقل من الرواية، قال الذهبي في (الميزان) : زرارة قلما روى. وذكر له بعضًا من منكراته ومنها مارواه عن ابن السماك قال: حججت فلقيني زرارة بن أعين بالقادسية فقال: إن لي إليك حاجةً وعظّمها، فقلت: ما هي؟ فقال: إذا لقيت جعفر بن محمّد فأقرئه مني السّلام، وسله أن يخبرني أنا من أهل النار أم من أهل الجنة؟ فأنكرت ذلك عليه، فقال لي: إنه يعلم ذلك، ولم يزل بي حتى أجبته، فلما لقيت جعفر بن محمّد أخبرته بالذي كان منه، فقال لي: هو من أهل النار! فوقع في نفسي مما قاله جعفر، فقلت: ومن أين علمت ذاك؟ فقال: من ادّعى عليّ عِلمَ هذا فهو من أهل النار. فلما رجعت لقيني زرارة فأخبرته بأنه قال لي إنه من أهل النار، فقال: كال لك من جراب النورة، قلت: وما جراب النورة؟ قال: عمل معك بالتقية! اهـ. قلت: ولا يخفى أن تكذيب أي مسلم أو لعنه أو الحكم عليه بالنار لا يصحّ أن يقال على سبيل التقية، خصوصًا مِن مثل جعفر الصادق رحمه الله، فإن نسبة ذلك إليه وعلى وجه التقية من أقبح الأمور التي يُنزَّه عنها جعفر رحمه الله.
ولم يثبت تكذيب جعفر لزرارة بن أعين هذا عند أهل السنة فقط، بل ثبت أيضًا في كتب الشيعة أئمة هذا الموسوي. فقد جاء في كتاب (ثقات الرواة) لأغا حسن الموسوي الأصفهاني، المتوفى سنة (387هـ) (1) أن جعفر الصادق قال عن زرارة هذا: (لعن الله زرارة، لعن الله زرارة) وروى ذلك أيضًا في (رجاله) (ص:135) ، وقد أشرنا إلى كتاب (رجال الكشي) هذا في مقدمة كتابنا. وروى الكشي أيضًا (ص:134) ، وفي (ثقات الرواة) أيضًا (1/319) أن جعفر الصادق قال: (ما أحدث أحدٌ في الإسلام ما أحدث زرارة من البدع لعنه الله) اهـ. فمن هم أئمة هذا الموسوي يا ترى؟ هل هو زرارة أم هؤلاء الذين ضعّفوه وكذّبوه؟
ولزرارة هذا أخ هو عبد الملك يأتي الكلام عليه -إن شاء الله- في موضعه رقم (54) .
(25) خالد بن مخلّد القطواني: صدوق لكنّه يتشيّع، كما قال الحافظ، ولم يكن من المغالين الطاعنين أو المبغضين للصحابة، وإلا لردّ حديثه، فهو جرح بنفسه، وسنذكر دليلًا على عدم غلوّه، لكنّه كان عنده تشيع، وحتى هذه العبارة توحي بخفته في ذلك، إذ لم يقولوا عنه: شيعي، بل قالوا: عنده تشيّع أو يتشيّع، مما يوحي ببساطته وعدم مغالاته، وهو أمر لا يخفى على من فهم كلام القوم بخلاف من تحامل وتحامق.
وأما قول الجوزجاني عنه: كان شتّامًا معلنًا بسوء مذهبه. فهو أمر لم يثبت ولم يلتفت إليه أحد؛ لما عُرف من الجوزجاني -رحمه الله- من الحط والطعن بالكوفيين عمومًا؛ لذا قالوا: إن قوله في هؤلاء الكوفيين غير مقبول؛ لشدة تحامله عليهم ولمخالفته لهم في مذهبهم، والدليل على ذلك أنه لم يلتفت إلى جرح الجوزجاني لخالد هذا الذهبي ولا غيره.
وقد عدّ الذهبي الجوزجاني من المتعنتين في الجرح والتعديل، فقال في (ذكر من يُعتمد قوله في الجرح والتعديل) (ص:148-159) : (إن الذين قبل الناس قولهم في الجرح والتعديل على ثلاثة أقسام: قسم منهم متعنت في الجرح متثبّت في التعديل... فهذا إذا وثّق شخصًا فعضّ على قوله بناجذيك وتمسّك بتوثيقه، وإذا ضعّف رجلًا فانظر: هل وافقه غيره على تضعيفه؟ فإن وافقه ولم يوثق ذلك أحد من الحذاق فهو ضعيف، وإن وثّقه أحد فهذا الذي قالوا فيه لا يقبل تجريحه إلا مفسّرًا... الخ) اهـ. وكذا قال الحافظ ابن حجر في التهذيب في ترجمة أبان بن تغلب لما طعن فيه الجوزجاني: (وأما الجوزجاني فلا عبرة بحطّه على الكوفيين) اهـ.
وقد نقل هذا الموسوي كلام ابن سعد في خالد هذا وحذف منه ما لا يوافقه، إذ قال ابن سعد عنه: (وكان في التشيّع مفرطًا وكتبوا عنه ضرورة) اهـ. فحذف هذا الموسوي من عبارة ابن سعد قوله: (ضرورة) وهو بذلك يؤكد عدم أمانته.
وأما الدليل على عدم غلو خالد هذا في التشيع، وأن أهل السنة علموا منه ذلك فارتضوه ورووا عنه، أن له حديثًا في (صحيح البخاري) (5/26) في فضائل الزبير بن العوّام رضي الله عنه، ورواه عنه البخاري مباشرة من حديث عثمان بن عفّان رضي الله عنه، وراوي الحديث عثمان ومن يخصه الزبير هما من أعداء الرافضة لعنهم الله ورضي عن عثمان والزبير، وحديث خالد هذا شوكة في أعينهم، إذ هو من رواية رجالهم كما يزعمون، والحمد لله رب العالمين.
(1) 1/317) (الطبعة الأولى- مطبعة الآداب في النجف) .