فهرس الكتاب
وأكبر من ذلك أنه نُقل عن الأعمش ثناؤه على معاوية رضي الله عنه، وتفضيله له، فيما أخرجه الطبراني في الكبير (19/266-267) (رقم 691) بإسناده إلى أبي يحيى الحماني قال: سمعت الأعمش يقول: (لو رأيتم معاوية لقلتم هذا المهدي) اهـ. ومع أن الأعمش لم يدرك معاوية رضي الله عنه- وهو الأمر الذي دعا الهيثمي ليحكم عليه بالإرسال كما في (المجمع) (9/357) - إلا أن هذا ما روي عن الأعمش في معاوية رضي الله عنه، وهو ما يدحض حجّة هذا الموسوي في ادعائه تشيع الأعمش، فإن كان هذا هو التشيّع من تفضيل أبي بكر وعمر والثناء على معاوية فحيهلًا على هذا التشيع.
وسائر ما ساقه هذا الموسوي في ترجمة الأعمش يدل دلالة واضحة على حماقته وسفاهته وتعصّبه، من ذلك طعنه بالإمام أبي إسحاق الجوزجاني، ورده لكلامه بما لا ذم للجوزجاني به، فالجوزجاني- مع ما عنده من تحامل على أهل الكوفة قد سبق منا بيانه- لم يطعن بهؤلاء المذكورين ومنهم الأعمش، بل قال عنهم: إنهم رؤوس محدثي الكوفة، وووصفهم بصدق ألسنتهم في الحديث، لكن غمزهم بما عنده من تحامل على أهل الكوفة جميعًا، وهو أمر مخطئ هو فيه نسأل الله له المغفرة، وهذا لا يعنى إطلاقًا أنه من النواصب كما ادعى هذا الموسوي، إذ لا علاقة بين بغض الجوزجاني للكوفيين وبين البغض لعليّ رضي الله عنه، ثم هو عند أهل السنة كحال الصادقين من الذين عندهم نوع تحامل- من غير طعن ولا سب- على معاوية أو على عثمان وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، سواء بسواء.
وأما قول المغيرة الذي ساقه هذا الموسوي، ولفظه: (أهلك أهل الكوفة أبو إسحاق وأعمشكم هذا) فلا علاقة له بالتّشّيع إطلاقًا، ولا يقول ذلك إلا الحمقى المتحاملون، إذ قوله هذا كقول ابن المبارك: (إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق والأعمش) وكلا القولين ساقهما الذهبي في (الميزان) ، وبين أن المراد من ذلك هو التدليس الذي كانا يمارسانه في بعض روايتهما، وأعني به الرواية بالعنعنة وعدم التصريح بالتحديث في غير ما سمعاه عمّن ذكراه، وقد قال الذهبي في ترجمة الأعمش من (الميزان) : (ما نقموا عليه إلاّ التدليس) اهـ. وسببه أنه كان يحسن الظن بمن يحدثه ويروي عنه، كما قال الذهبي وزاد: (ولا يمكننا أن نقطع عليه بأنه علم ضعف ذلك الذي يدلّسه، فإن هذا حرام) اهـ.
وقال: (وهو يدلّس وربما دلّس عن ضعيف ولا يدري به، فمتى قال: حدّثنا فلا كلام، ومتى قال:"عن"تطرّق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ له أكثر عنهم) اهـ. فهذا هو سبب كلام المغيرة وابن المبارك في الأعمش وأبي إسحاق، لا كما شاغب به هذا الموسوي من سوء فهمه أو مقصده.
وما ساقه من كلام الأعمش في أبي حنيفة رحمه الله معارض بما نقل من مدح الأعمش لأبي حنيفة، مثل ما ذكره الذهبي في ترجمة الإمام أبي حنيفة من (تاريخ الإسلام) (7/312) عن الأعمش أنه سئل عن مسألة فقال: (إنما يحسن هذا النعمان بن ثابت الخزار، وأظنه بورك له في علمه) . ومعارض أيضًا بما ذكره ابن عبد البر نفسه في (الانتقاء) (ص:126) فقال: (خرج الأعمش يريد الحج فلما صار بالحيرة قال لعليّ بن مسهر اذهب إلى أبي حنيفة حتى يكتب لنا المناسك) اهـ.
وابن عبد البر ساق كلام الأعمش الذي نقله هذا الموسوي في الإمام أبي حنيفة، ليبين أنه من نوع الكلام المردود غير المنظور إليه، وجعله مثالًا لذلك، فقال في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) (باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض) (2/152) (1) : (هذا باب قد غلط فيه كثير من الناس، وضلت به نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك، والصحيح في هذا الباب ان من صحّت عدالته وثبتت في العلم أمانته وبأنت ثقته وعنايته بالعلم، لم يلتفت فيه إلى قول أحد، إلا أن يأتي في جرحته بينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات والعمل فيها من المشاهدة والعناية لذلك بما يوجب قوله من جهة الفقه والنظر) اهـ.
ثم قال أيضًا بعد سرده لتلك الأقوال ومنها قول الأعمش في أبي حنيفة هذا (2/157-158) (2) : (وهذا مما ذكرنا مما لا يسمع من قولهم ولا يلتفت إليه ولا يعرج عليه) اهـ. فجزى الله هذا الموسوي بما يستحق بصنيعه هذا الذي يريد به الإساءة إلى أئمة الإسلام هؤلاء، وصدق ابن عبد البر حين وصف أمثال هؤلاء فيما سبق: (ضلت به نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك) .
(40) شريك بن عبد الله النخعي القاضي: قال الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ كثيرًا اهـ. فهو في نفسه ثقة صادق مأمون لكنّه كان كثير الخطأ، وهو إلى ذلك تغير حفظه لما ولي القضاء بالكوفة، ولم يحتج به مسلم كما ادعى هذا الجاهل الموسوي، بل أخرج له في المتابعات، وهو بذلك فقط يصح حديثه إذا توبع وإلا فلا؛ لما عنده من سوء الحفظ لا لضعفه في نفسه، وقد نص الذهبي على أن مسلمًا إنما أخرج لشريك متابعة فقط ولم يحتج به، وهو ما لم يفهمه- فيما يبدو- هذا الموسوي لبعده عن هذا العلم الشريف.
(1) من المختصر (ص:195) .
(2) من المختصر (ص:199) .