فهرس الكتاب
فهو حتى لا يراه محقًّا في حروبه، ويرى أنها كلها فتنة! فإن كان هذا التشيع هو الذي يزعمه الموسوي فلا مانع عندنا، وإلا فهذا حال الرجال الذين يسوقهم لنا ويتفاخر بهم أمامنا. ونقل الذهبي في (الميزان) عن أبي بكر بن زنجويه قال: سمعت عبد الرزاق يقول: (الرافضي كافر) اهـ. فهو إذًا غير غال أولًا، ويفضل ابا بكر وعمر وعثمان على عليّ ثانيًا، كما نقلناه عنه قبل قليل. لكنّه عنده من التشيع بعض التعريض بمعاوية رضي الله عنه، ومعاوية لا يحط من قدره تنقص مثل عبد الرزاق إياه، وإنما قد جنى عبد الرزاق على نفسه بذلك.
بقي مما ساقه هذا الموسوي في ترجمة عبد الرزاق حديثان من روايته، وذكرهما في الهامش (30/112) :
الحديث الأول: عن ابن عباس أن رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم نظر إلى علي فقال: (أنت سيد في الدنيا سيد في الآخرة، من أحبك فقد أحبني ومن أبغضك فقد أبغضني.. الحديث) .
وعزاه الموسوي للحاكم في (المستدرك) (3/128) ، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
قلت: وليس هو كذلك. بل منكر ليس ببعيد من الوضع، كما قال الذهبي فيما سنبينه، إذ هو من رواية أحمد بن الأزهر وهو أبو الأزهر، قال: حدثني عبد الرزاق خلوة من حفظه. قال الذهبي في (تلخيص المستدرك) ردًا على تصحيح الحاكم لهذا الحديث: (قلت: وهذا وإن كان رواته ثقات فهو منكر ليس ببعيد من الوضع، وإلا لأي شيء حدث به عبد الرزاق سرًا ولم يجسر أن يتفوه به لأحمد وابن معين والخلق الذين رحلوا إليه. وأبو الأزهر ثقة ذكر أنه رافق عبد الرزاق من قرية له إلى صنعاء، قال: فلما ودعته قال: قد وجب حقك علي وأنا أحدثك بحديث لم يسمعه مني غيرك، فحدثني والله. بهذا الحديث لفظًا) اهـ.
قلت: وقد رد هذا الحديث وكذبه أيضًا يحيى بن معين فيما نقله الخطيب في (التاريخ) ، والحافظ في التهذيب في ترجمة أبي الأزهر هذا عن أحمد بن يحيى التستري قال:(لما حدث أبو الأزهر بحديث عبد الرزاق في الفضائل- قلت: يعني هذا الحديث-... أخبر بذلك يحيى بن معين، فبينا هو عنده في جماعة من أهل الحديث إذ قال يحيى: من هذا الكذّاب النيسابوري الذي يحدث عن عبد الرزاق بهذا الحديث؟ فقام أبو الأزهر فقال هو ذا أنا.
فتبسم يحيى، فقال: أما إنك لست بكذاب، وتعجب من سلامته وقال: الذنب لغيرك في هذا الحديث)اهـ. ونقل الخطيب في (التاريخ) والحافظ في التهذيب هناك، وكذا الذهبي في (الميزان) في ترجمة أبى الأزهر هذا عن أبى حامد الشرقي أنه قال: (هو حديث باطل، والسبب فيه أن معمرًا كان له ابن أخ رافضي، وكان معمر يمكنه من كتبه، فأدخل عليه هذا الحديث، وكان معمر مهيبًا لا يقدر أحد على مراجعته، فسمعه عبد الرزاق في الكتاب) اهـ. قال الذهبي عقبه: (قلت: وكان عبد الرزاق يعرف الأمور فما جسر أن يحدث بهذا إلا سرًا لأحمد بن الأزهر وغيره) اهـ. وذكره أيضًا في (الميزان) (2/613) وقال: إنه أوهى ما أتى به عبد الرزاق، ثم قال: (قلت: مع كونه ليس بصحيح فمعناه صحيح سوى آخره، ففي النفس منها شيء، وما اكتفى بها حتى زاد:(وحبيبك حبيب الله، وبغيضك بغيض الله، والويل لمن أبغضك) فالويل لمن أبغضه هذا لا ريب فيها، بل الويل لمن يغضّ منه أو غضّ من رتبته ولم يحبه كحب نظرائه أهل الشورى رضي الله عنهم أجمعين) اهـ.
قلت: فقد رد هذا الحديث وكذبه ابن معين، وأبو حامد الشرقي، والذهبي فيما نقلناه سلفًا. بالإضافة إلى ابن عدي في (الكامل) (1/195، 196) ، وابن الجوزي في (العلل المتناهية) (2/218) ، وقال: (موضوع ومعناه صحيح، فالويل لمن تكلف وضعه إذ لا فائدة في ذلك) اهـ. وكذا أورده ابن عراق الكناني في (تنزيه الشريعة) (1/398) وعزاه للخطيب البغدادي، وقد أخرجه الخطيب (4/414) وذكر من أقوال أهل العلم بتكذيبه ما سبق نقله من قول ابن معين وأبي حامد الشرقي وغيرهما وأقرّهم عليه. وكذا أقرّ هذا الكلام في تكذيب هذا الحديث الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب) في ترجمة أحمد بن الأزهر، إذ ساقه ولم يعقب عليه بشيء. وكل هذا مما يبطل دعوى الحاكم بتصحيحه، إذ لم يوافقه على ذلك أحد ولله الحمد، وهو ما نبه عليه أهل العلم كثيرًا بتساهل الحاكم وقلة عنايته بالتصحيح، ويبطل أيضًا دعوى هذا الموسوي بموافقة المنصفين- زعم- لعبد الرزاق على هذا الحديث، وقد أعاد ذكر هذا الحديث الموسوي هذا في صفحة (191) من مراجعاته هذه، وسنبين في حينها ما في تعليقه هناك في الهامش من المغالطة والغش.